تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

سورة مريم — معاني القرآن وإعرابه

من معاني القرآن وإعرابه لـإبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج — الورقة ١٬٢٦٧ من ٢٬١٤٨.

سورة مريم

ج ٣ · ص ٣٤٠

وحجة من قال بهذا القول أنه جرى ذكر الكافرين، فقال: (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد) ثم قال بعد: (وإن منكم إلا واردها)

فكأنه على نظم ذلك الكلام عام.

ودليل من قال بهذا القول أيضا قوله (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين)

ولم يقل وندخل الظالمين، وكان (نذر) و (نترك) للشيء الذي قد

حصل في مكانه.

وقال قوم إن هذا إنما يعنى به المشركون خاصة، واحتجوا في هذا بأن

بعضهم قرأ: " وإن منهم إلا واردها "، ويكون على مذهب هؤلاء

(ثم ننجي الذين اتقوا) أي نخرج المتقين من جملة من ندخله النار.

وقال قوم: إن الخلق يردونها فتكون على المؤمن بردا وسلاما، ثم

يخرج منها فيدخل الجنة فيعلم فضل النعمة لما يشاهد فيه أهل العذاب وما

رأى فيه أهل النار.

وقال ابن مسعود والحسن وقتادة: إن ورودها ليس دخولها، وحجتهم في

ذلك جيدة جدا من جهات: إحداهن أن العرب تقول: وردت ماء كذا ولم

تدخله، وقال الله عز وجل: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون) وتقول إذا بلغت البلد ولم تدخله: قد وردت بلد كذا وكذا.

قال أبو إسحاق: والحجة القاطعة في هذا القول ما قال الله عز وجل:

(إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها). . فهذا - والله أعلم - دليل أن أهل الحسنى لا يدخلون النار (1)

ج ٣ · ص ٣٤١

وفي اللغة وردت بلد كذا وكذا إذا أشرفت عليه، دخلته أو لم تدخله، قال

زهير:

فلما وردن الماء زرقا جمامه وضعن عصي الحاضر المتخيم

المعنى بلغن إلى الماء، أي أقمن عليه، فالورود ههنا بالإجماع ليس

بدخول، فهذه الروايات في هذه الآية، والله أعلم.

* * *

وقوله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73)

(وأحسن نديا).

معناه مجلسا

* * *

وقوله عز وجل: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا (74)

(أحسن أثاثا ورئيا) (1).

فيها أربعة أوجه رئيا بهمزة قبل الياء، والراء غير معجمة، وريا بتشديد

بياء مشددة، وزيا - بالزاي معجمة، وقد قرئ بهذه الثلاثة الأوجه.

ويجوز وجه رابع لم يقرأ به - بياء وبعدها همزة - وريئا:.

فأما رئيا - بهمزة قبل الياء - فالمعنى فيه هم أحسن أثاثا أي متاعا، ورئيا

منظرا، من رأيت، ومن قرأ بغير همز فله تفسيران: على معنى الأول بطرح

الهمزة وعلى معنى أن منظرهم مرتو من النعمة، كأن النعيم بين فيهم، ومن

قرأ زيا فمعناه أن زيهم حسن يعني هيئتهم.

قال الشاعر:

أشاقتك الظعائن يوم بانوا بذي الرئي الجميل من الأثاث

ونصب (أحسن أثاثا ورئيا) على نية التفسير.

المعنى وكم أهلكنا قبلهم من

ت. عبد الجليل عبده شلبي — عالم الكتب - بيروت — الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م