سورة مريم
ج ٣ · ص ٣٣٧
وقوله عز وجل: (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (65)
أي هو مالك لهما وعالم بهما وبما فيهما.
* * *
وقوله عز وجل: (هل تعلم له سميا).
جاء في التفسير: هل تعلم له مثلا، وجاء أيضا لم يسم بالرحمن إلا
الله عز وجل. وتأويله - والله أعلم - (هل تعلم له سميا) يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم بما كان وبما يكون، فذلك ليس إلا من صفة الله تعالى.
* * *
وقوله: (ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66)
يعنى بهذا الكافر الذي لا يؤمن بالغيب خاصة، ومت ومت.
* * *
وقوله عز وجل: (أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا
(67)
ويقرأ أو لا يذكر بالتخفيف والتثقيل.
(أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا).
أعلم الله عز وجل أن إعادة الخلق مثل ابتداء خلقهم، وهذا كما قال:
(وضرب لنا مثلا ونسي خلقه) الآية.
فكان الجواب (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة).
* * *
وقوله تعالى: (فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68)
أي فوربك لنبعثنهم ولنحشرنهم مع الشياطين الذين أغووهم.
(ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا).
و (جثيا). - بالضم والكسر جميعا، ومعنى جثيا على ركبهم، لا يستطيعون
القيام مما هم فيه وجثي جمع جاث وجثى، مثل قاعد وقعود وبارك وبروك.
ج ٣ · ص ٣٣٨
والأصل ضم الجيم وجائز كسرها، اتباعا لكسرة الياء.
و (جثيا). منصوب على الحال.
* * *
وقوله تعالى: (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا
(69)
و (عتيا) - بألكسر والضم، ومعناه لننزعن من كل أمة ومن كل فرقة الأعتى
فالأعتى منهم، كأنهم يبدأ بتعذيب أشدهم عتيا ثم الذي يليه.
فأما رفع (أيهم) فهو القراءة، ويجوز (أيهم) بالنصب حكاها سيبويه، وذكر سيبويه أن هارون الأعور القارئ قرأ بها.
وفي رفعها ثلاثة أقوال:
قال سيبويه عن يونس إن قوله جل وعز (لننزعن) معقلة لم تعمل شيئا.
فكأن قول يونس: (ثم لننزعن من كل شيعة) ثم استأنف فقال (أيهم أشد على
الرحمن عتيا).
وأما الخليل فحكى عنه سيبويه أنه على معنى الذين يقال (أيهم أشد على
الرحمن عتيا)، ومثله عنده قول الشاعر:
ولقد أبيت من الفتاة بمنزل. . . فأبيت لا حرج ولا محروم
المعنى فأبيت بمنزلة الذي يقال له لا هو حرج ولا هو محروم.