سورة مريم
ج ٣ · ص ٣٢٧
وقوله عز وجل: (فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29)
أي لما خاطبوها أشارت إليه، بأن جعلوا الكلام معه، ودل على أنها
أشارت إليه في الكلام قولهم (كيف نكلم من كان في المهد صبيا).
وفي هذا ثلاثة أوجه:
قال: أبو عبيدة إن معنى " كان " اللغو، المعنى كيف
نكلم من في المهد صبيا، لأن كل رجل قد كان في المهد صبيا، ولكن
المعنى كيف نكلم من في المهد صبيا لا يفهم مثله، ولا ينطق لسانه بالكلم.
وقال قوم إن " كان " في معنى وقع وحدث.
المعنى على قول هؤلاء: كيف نكلم صبيا قد خلق في المهد.
وأجود الأقوال أن يكون " من " في معنى الشرط والجزاء فيكون المعنى:
من يكن في المهد صبيا - ويكون (صبيا) حالا - فكيف نكلمه.
كما تقول من كان لا يسمع ولا يعقل فكيف أخاطبه.
وروى أن عيسى عليه السلام لما أومأت إليه اتكأ على يساره وأشار بسبابته فقال: (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما كنت) أي معلمأ للخير.
(وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31)
ومعنى الزكاة ههنا الطهارة، (ما دمت حيا) - دمت، ودمت جميعا.
(وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32)
ج ٣ · ص ٣٢٨
(وبرا) عطف على (مباركا)، المعنى وجعلني مباركا وبرا بوالدتي.
* * *
(والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33)
(والسلام علي) فيه أوجه، فالسلام مصدر سلمت سلاما، ومعناه عموم
العافية والسلامة، والسلام جمع سلامة، والسلام اسم من أسماء الله جل
وعز، وسلام مما ابتدئ به في النكرة، لأنه اسم يكثر استعماله. تقول سلام
عليك والسلام عليك. وأسماء الأجناس يبتدأ بها، لأن فائدة نكرتها قريب من فائدة معرفتها. تقول: - لبيك وخير بين يديك، وإن شئت قلت: والخير بين يديك، وتقول: السلام عليك أيها النبي، وسلام عليك أيها النبي، إلا أنه لما جرى ذكر " سلام " قبل هذا الموضع بغير ألف ولام كان الأحسن أن يرد ثانية بالألف واللام، تقول: سلام عليك أيها النبي، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، هذا قسم حسن، وإن شئت قلت سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
* * *
وقوله عز وجل: (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون
(34)
أي ذلك الذي (قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلنى نبيا) عيسى ابن
مريم لا ما يقول النصارى من أنه ابن الله وأنه إله - جل الله وعز.
وقوله - عز وجل: (قول الحق) (1).
بالرفع، ويجوز (قول الحق) بالنصب، فمن رفع فالمعنى هو قول الحق
ومن نصب فالمعنى أقول قول الحق الذي فيه يمترون أي يشكون.
* * *
(ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35)
(من ولد) في موضع نصب، والمعنى أن يتخذ ولدا، و (من) مؤكدة.
تدل على الواحد والجماعة لأن للقائل أن يقول: ما اتخذت فرسا يريد