سورة البقرة
ج ٢ · ص ٥٢٧
وقد زعم قوم: أن المراد بها أنهم يقولون للكفار، ليس بيننا وبينكم غير السلام، وليس المراد السلام الذي هو التحية، وإنما المراد بالسلام التسلم، أي: تسلما منكم ومتاركة لكم، كما يقول: براءة (منك) 1 أي: لا ألتبس بشيء من أمرك ثم نسخت بآية السيف.
وهذا باطل، لأن اسم الجاهل يعم المشرك وغيره، فإذا خاطبهم مشرك، قالوا: السداد والصواب في الرد عليه. وحسن (المحاورة) 2 في الخطاب لا ينافي القتال. فلا وجه للنسخ3.
ذكر الآية الثالثة: قوله تعالى: {ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق} - إلى قوله - {إلا من تاب} 4.
للعلماء فيها قولان:
أحدهما: أنها منسوخة، ولهؤلاء في ناسخها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه قوله {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} 5، قاله ابن عباس رضي الله عنهما6 والأكثرون على خلافه في أن القتل لا
ج ٢ · ص ٥٢٨
يوجب الخلود. وقال أبو جعفر النحاس، من قال: إن قوله: {ولا يقتلون النفس} الآيات نسخها قوله {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} فمعناه نزل بنسختها1. والآيتان واحد، لأن هذا لا يقع فيه ناسخ ولا منسوخ، لأنه خبر.
والثاني: قوله {إن الله لا يغفر أن يشرك به} 2. الآية (وهذا لا يصح، لأن الشرك لا يغفر إذا مات المشرك عليه) 3.
والثالث: أنه نسخت بالاستثناء في قوله: {إلا من تاب} وهذا باطل، لأن الاستثناء ليس بنسخ.
والقول الثاني: أنها محكمة، والخلود إنما كان لانضمام الشرك إلى القتل والزنا4.
ج ٢ · ص ٥٢٩
باب: ذكر ما ادعي عليه النسخ في سورة الشعراء.
قوله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون} 1.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قل: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمد، قال: بنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما {والشعراء يتبعهم الغاوون} فنسخ من ذلك، واستثني، فقال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا} 2.
قلت: وقد بينا أن الاستثناء ليس بنسخ، ولا يعول على هذا، وإنما هذه الألفاظ من تغيير (الرواة) 3 وإلا فقد أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين، قال: أبنا البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح،