الباب الثامن: باب ذكر السور التي تضمنت الناسخ والمنسوخ، أو أحدهما، أو خلت عنهما
ج ١ · ص ٢٥١
فقال: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} فأمر الله بقتالهم في الحل والحرم وعلى كل حال1.
والثاني: قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} 2 قاله الربيع ابن أنس3 وابن زيد4.
والثالث: قوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} 5 قاله مقاتل6.
والقول الثاني: أنها محكمة وأنه لا يجوز أن يقاتل أحد في المسجد الحرام حتى يقاتل، وهذا قول مجاهد والمحققين ويدل عليه ما روي في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه7 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
ج ١ · ص ٢٥٢
في مكة (أنها لا تحل لأحد من بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار) 1 وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض أنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولا يحل إلا ساعة من نهار" 2.
وقد ادعى بعض من لا علم له أن هذه الآية نسخت بحديث أنس رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر فأمر بقتل ابن خطل وهومتعلق بأستار الكعبة) 3.
وهذا باطل من وجهين:
: ذكر الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ
ج ١ · ص ٢٥٣
أحدهما: أن القرآن لا ينسخ إلا القرآن، ولو أجزنا نسخه بالسنة لاحتجنا إلى أن نعتبر في نقل ذلك الناسخ ما اعتبرنا في نقل المنسوخ، وطريق الرواية لا يثبت ثبوت القرآن.
والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أنه إنما خص بالإباحة في ساعة من نهار، والتخصيص ليس بنسخ، لأن النسخ ما رفع الحكم على الدوام كما كان ثبوت حكم المنسوخ على الدوام.
فالحديث دال على التخصيص لا على النسخ، ثم إنما يكون النسخ مع تضاد اجتماع الناسخ والمنسوخ، وقد أمكن الجمع بين ما ادعوه ناسخا ومنسوخا وصح العمل بهما فيكون قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} في غير الحرم بدليل قوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} وكذلك قوله: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي: في غير الحرم بدليل قوله عقب ذلك {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم}.ولوجاز قتلهم في الحرم لم يحتج إلى ذكر الإخراج، فقد بان مما أوضحنا إحكام الآية وانتفى النسخ عنها1.