الباب الخامس: باب ذكر ما اختلف [فيه]
ج ١ · ص ٢١٨
ذكر الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} 1.
اختلف المفسرون في هذه الوصية، هل كانت واجبة أم لا على قولين:
أحدهما: أنها كانت ندبا لا واجبة، وهذا مذهب جماعة منهم الشعبي والنخعي2 واستدلوا بقوله (بالمعروف) قالوا: المعروف لا يقتضي الإيجاب وبقوله: (على المتقين) والواجب لا يختص به المتقون.
ج ١ · ص ٢١٩
والثاني: (أنها كانت فرضا ثم نسخت، وهو قول جمهور المفسرين، واستدلوا بقوله: (كتب) وهوبمعنى فرض كقونه تعالى: {كتب عليكم الصيام} 1 وقد نص أحمد في رواية الفضل بن زياد، على نسخ هذه الآية، فقال: الوصية للوالدين، منسوخة2.
وأجاب أرباب هذا القول أهل القول الأول، فقالوا: ذكر المعروف لا يمنع الوجوب، لأن المعروف بمعنى العدل الذي لاشطط فيه ولاتقصيركقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} 3 ولا خلاف في وجوب هذا4 [الرزق والكسوة، فذكر المعروف في الوصية لا يمنع وجوبها بل يؤكده، وكذلك تخصيص الأمر بالمتقين دليل على توكيده لأنها إذا وجبت على المتقين كان وجوبها على غيرهم أولى، وإنما خصهم بالذكر، لأن فعل ذلك من تقوى الله تعالى، والتقوى لازمة لجميع الخلق.
ج ١ · ص ٢٢٠
فصل: ثم اختلف القائلون، بإيجاب الوصية ونسخها بعد ذلك، في المنسوخ من الآية على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن جميع ما في الآية من إيجاب الوصية منسوخ، قاله ابن عباس رضي الله عنهما. أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أبنا أبو الفضل ابن خيرون، وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: أخبرنا بن شاذان، قال: أبنا أحمد ابن كامل، قال: أبنا محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي الحسين بن الحسن بن عطية قال: حدثني أبي عن جدي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما {إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين}. قال: "نسخت الفريضة التي للوالدين والأقربين (الوصية) "1.