الباب الثالث: باب بيان حقيقة النسخ
ج ١ · ص ٢١١
أحدهما: أن تكون دالة على أن السعي بينهما لا يجب1.
والثاني: أن يكون (لا) صلة. كقوله: ما (منعك) أن لا تسجد2 فيكون معناه معنى القراءة المشهورة، وقد ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن السعي من أركان الحج3 وقال أبو حنيفة وأصحابه: هو واجب (يجزي) 4 عنه الدم5.
والصحيح في سبب نزول هذه الآية، ما أخبرنا به أبوبكر بن حبيب، قال: أبنا علي الفضل، قال: أبنا محمد بن عبد الصمد، قال: أبنا ابن حموية، قال: أبنا: إبراهيم بن خريم، قال: بنا عبد الحميد، قال: أبنا عبد الوهاب بن عطاء عن داود، عن عامر، قال: كان على الصفا [وثن] 6 يدعى (أساف) 7 ووثن على المروة يدعى نائلة، وكان أهل
ج ١ · ص ٢١٢
الجاهلية يسعون بينهما ويمسحون الوثنين فلما جاء الإسلام أمسك المسلمون عن السعي بينهما فنزلت هذه الآية1.
قلت: فقد بان بهذا أن المسلمين إنما امتنعوا عن الطواف لأجل الصنمين فرفع الله عزوجل الجناح عمن طاف بينهما، لأنه إنما يقصد تعظيم الله تعالى بطوافه دون الأصنام2.
ج ١ · ص ٢١٣
ذكر الآية العاشرة: قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} إلى قوله: {اللاعنون} 1.
قد زعم قوم من القراء (الذين) 2 قل حظهم من علم العربية والفقه أن هذه الآية منسوخة بالاستثناء بعدها3 ولوكان لهم نصيب من ذلك، لعلموا أن الاستثناء ليس بنسخ وإنما هو إخراج بعض ما شمله اللفظ، وينكشف هذا من وجهين.
أحدهما: أن الناسخ والمنسوخ لا يمكن العمل بأحدهما إلا بترك العمل بالآخر، وههنا يمكن العمل بالمستثنى والمستثنى منه.
والثاني: أن الجمل إذا دخلها الاستثناء يثبت أن المستثنى لم يكن مرادا دخوله في الجملة الباقية وما لا يكون مرادا باللفظ الأول لا يدخل عليه النسخ4.