مثل القرآن
ج ١ · ص ٧١
إلى الديوان الأكبر الذي فيه جملة حساب تجارته فالمتقي ينظر فيه كل يوم يتبدر أمره فيه ومنه ويقابل أموره مما أمر الله فيه ويسويه ويتلافى ما ضاع منه وما قصر فيه ثم يؤديه إلى ديوان الله عز وجل وهو اللوح الحفوظ
ثم قال وإنه لحسرة على الكافرين
فإذا رأى الكافر ما يصنع القرآن بأهله من الثناء عليهم بين يدي الله عز وجل ونظر إلى كرامة الله على أهل القرآن صار ذلك كله حسرة عليه وتقطع قلبه حسرات
ثم قال وإنه لحق اليقين أي هذا القرآن من حق اليقين أي كما أعطيتكم من نور المعرفة فاستقرت قلوبكم وأيقنت بربوبيتي وبوحدانيتي فاطمأنت نفوسكم بي وآمنت كان من حق ذلك اليقين علينا أن أنزل كلامي إليكم لتسكن به تلك الصدور التي استقر اليقين في تلك القلوب فيها ويجاوره بأحسن المجاورة فهذا حقه ويساكته في مستقره فاليقين في القلب وكلامي في الصدور وهو ساحة اليقين فذلك حق اليقين
ومثل من يقرؤه من غير تدبر كجرس على بعير فالسائق للجمال تسير من أمامه بصوت ذلك الجرس لثقالتها ليس عندهم إلا ذلك الصوت في أسماعهم
ج ١ · ص ٧٢
ومثل التالي لكتاب الله تعالى مثل رجل طاهر طيب له محبوب له حنين إليه أخذ حبه قلبه وهو به مشغوف يمضغ شيئا في فمه فإذا وجد ذلك الشيء في فمه كيف يلتذ به وكيف يجد حلاوته في حلقه وصدره فلا يمل من مضغه وازدراد ريقه بذلك الشيء فكذا التالي لكتاب الله تعالى إذا فكر أن هذا كلام تكلم به رب العالمين وأنزله ومكن له في صدري حتى تردد واستقر وأقدرني على استخراجه من صدري حتى اختلج به لساني مستعينا بالحنك والأسنان والشفتين فتردد كلمه المنزل الذي تكلم به وأنزله فيما بين صدري وشفتي وقرت عينه بهذه الفكرة والتدبر وابتدأ بترددها في فمه ولسانه وحلقه وشفتيه هذا من قبل أن يشتغل بلطائفه ومعانيه قال الله عز وجل ( إنه لقرآن كريم ) وقال بل هو قرآن مجيد وقال وإنه لكتاب عزيز ومهيمن فوصف كلامه بالكرم والمجد والعز والهيمنة
فأما كرمه فمن سهولته الممزوجة باللطف والتقريب والتعليل