تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

مثل الدنيا مثل بحر عميق — الأمثال من الكتاب والسنة

من الأمثال من الكتاب والسنة لـأبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي — الورقة ٢٩٨ من ٣١٧.

مثل الدنيا مثل بحر عميق

ج ١ · ص ٣١٠

قال فإنما مثلتهما بكوزين لأن الكوز وعاء للماء والأعمال وعاء الحق والباطل فعمل رضي الله به وأمرك به وأحبه فالحق فيه وذلك العمل وعاء ذلك الحق فأي ماء أعذب وأبرد وأصفى وأهنأ وأمرى من الحق

وفعل آخر زجر الله تعالى عنه وسخطه وأبغضه ونهاك عنه ومقت فاعله فالباطل فيه وذلك وعاء ذلك الباطل فمثلهما كمثل الكوزين في يدي ذلك على ما وصفنا أخذهما رجل بيده على ما وصفنا فمن آثر كوز البول على كوز الماء العذب الهنيء المريء لم يوضع أمره إلا على الجنون أو السكر فمن آثر الباطل على الحق لدنيا يصيبها أو لنفس يغرها ويباهي بها فإنما هو لأحد أمرين إما أن تكون المعرفة قد اختبأت فيه فهو منافق شاك في ربه أو مما يشرب صرفا من حلاوة حب الدنيا فأسكرته ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حبك الشيء يعمي ويصم ) فإذا أصمه وأعماه نافق فإذا آثر الباطل انمحق الباطل وزهق وإن الباطل كان زهوقا وتلاشت الدنيا عنه وبطل ملكه بها وانتقلت إلى غيره ونفسه الطالبة للعز والجاه عادت جيفة منتنة ملأ بطنه صديد وديدان

ج ١ · ص ٣١١

مثل العارف المنتبه قبل الانتباه مثل عبد له مولى ولكن لا يعلم من مولاه وكان في جمع عظيم وكلهم موالي العبيد فقال أيهم مولاي من بين هؤلاء فأشاروا له إلى واحد منهم إن هذا مولاك وسيدك فنظر إليه بعين الرضا فوجده أجملهم وجها وأغناهم مالا وأحسنهم خلقا وأطهرهم سيرة وأجودهم كفا وأحلاهم منطقا وأنفذهم قولا وأفرسهم فارسا وأعلمهم علما وأبهاهم زينة وأرفعهم كسوة وأوسعهم ملكا وأعظمهم رحمة وتحننا وأشكرهم لعبده فامتلأ هذا العبد فرحا لما وجد مولاه على هذه الصفة واستطال به على سائر العبيد من نظرائه واختال وافتخر به ووجد القوة في ظهره كل القوة والسرور في قلبه ورأى نفسه لهذا المولى الذي وجده بهذه الصفات أنه ليس له كفوا من أشكاله من العبيد بما وجد مولى مثل هذا

فهذا حال العارف إذا انتبه من رقدته وعرف أن له ربا بتلك الصفات التي كانت له تسعة وتسعين اسما ووجد في أسمائه تسعة وتسعين صفة فكل اسم إذا دعاه به عرف أن هذا اسمه على الحقيقة لا على الاستعارة وعلم أن الصفة من وراء الاسم قد أعد له ما وضع من تلك الصفات لعبده فمتى يسع هذا العبد في الدنيا وفي

ت. د . السيد الجميلي — دار ابن زيدون / دار أسامة