تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

مثل القلب والنفس — الأمثال من الكتاب والسنة

من الأمثال من الكتاب والسنة لـأبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي — الورقة ٢٨٣ من ٣١٧.

مثل القلب والنفس

ج ١ · ص ٢٩٥

الإحاطة عزيمة القلب وانقياد النفس وثاقه إياها فربضت النفس ساكنة

هذا مبتدأ الصوم فمن مبتدا هذا اليوم إلى آخره في صدره خواطر وعلى ظاهر جوارحه عوارض تحتاج النفس إلى أن تتجرع مرارة تلك الشهوات خاطرة كانت أو عارضة فكلما خطر بباله في صدره بين عيني فؤاده خطرة هاج البال واشتهت النفوس لتلك الشهوة وسكنها القلب فريضت كان لها بكل خاطرة وعارضة تتجرع النفس مرارة الترك جزاء عند الله تعالى فمن يحصي هذه الخطرات والعوارض إلا الله تعالى

ولذلك قال الصوم لي وأنا أجزي به لأن النفس تجرعت مرارة الترك لله تعالى والقلب وفى بما قبل من الله تعالى فالثواب يتجرع المرارة والجزاء للقلب بالوفاء

فطبقة منهم في هذه الخطرات والعوارض في درجة ملاحظة الثواب والعقاب

وطائفة منهم في درجة ملاحظة حب الله تعالى فتلاشت المرارات بحلاوة حبه

وطبقة منهم في درجة ملاحظة مسرات الله تعالى وقرة العين

ج ١ · ص ٢٩٦

فيفتقدون المرارات لا بتهاج نفوسهم بمسرات الله تعالى

مثل المعرفة التي لم تضء مثل لؤلؤة بيضاء صافية نقية ثم تجدها قد دخلتها صفرة بطول استعمالها من العرق والحر والبرد وأدناس الجسد وغيرها وترى ياقوتة أيضا بمائها وصفاء لونها قد ذهب صفاؤها وتغير لونها بطول لبسها فأصحاب الجواهر أبصر بما يغسلون تلك اللؤلؤة لتزول صفرتها وتعود إلى حالها

وكذا الياقوتة تعالج حتى تعود إلى مائها وصفائها

فكذا المعرفة تجدها حلوة نزهة نيرة فعلى طول مجاورتها بشهوات النفس وملامستها إياها تجدها متغيرة قد افتقدت حلاوتها ونزاهتها وطيبها لأنها قد تدنست بأدناس الشهوات فيجب أن يحتال لأمرها حتى تعود كما كانت

قال له قائل فكيف يكون ذلك

قال أليس هذه الياقوتة واللؤلؤة جوهرها قائم وإنما افتقد صفاؤها وماؤها لما لزق بها من الدنس وتغيب عنها صفاؤها فبالمعالجة زال عنها ما كان لزق بها وعادت إلى حالها وظهر صفاؤها فكذا المعرفة قائمة إلا أن أدناس الشهوات حجبت عنك إشراقها لما حلت في عين فؤادك في صدرك فصارت كشمس

ت. د . السيد الجميلي — دار ابن زيدون / دار أسامة