فرح الله بتوبة العبد
ج ١ · ص ٢٥٨
الذين يرجو أرباحهم التي ربح على رأس ماله أي أعمال الطاعات كلها ربح التوحيد والتوحيد رأس المال لا يقبل عمل إلا به ومنه يخرج ربح المؤمن لإنه لم يتبين القبول فهو على غرر منه فإذا اتكل على هذه وحوسب يوم الحساب وحصل ما في الصدور وطولب بالصدق والإخلاص منها فلم يوجد في كثير منها الصدق والإخلاص فرضي بذلك العمل فكان كهذا الغريم الذي ظهر هاهنا إفلاسه فلم ينل منه ربحا وخيف على رأس ماله أيضا لأنه عمل لغير الله تعالى واستهزأ بأمر الله تعالى وآثر دنياه وهوى نفسه على محبوب الله تعالى ومختاره فهذا كهؤلاء الغرماء الذي ظهر هاهنا إفلاسهم فلم يبق في أيديهم إلا ديوان الكتبة
فالعبد إن كان كيسا يبيع ويشتري نقدا بربح يسير لأن اليسير من الربح مع قيام رأس المال خير من الربح الكثير مع هلاك رأس المال أو إذا باع نسيئة يأخذ بالثقة وعامل الغرماء بالوثائق إما الرهن أو الكفالة على مليء واستقصى النظر ثم لم يقنعه ذلك فهو أبدا خائف من أن يضيع رأس المال وربما غرق في الربح للنسيئة ومع ذلك الخطر باق وذلك لأنه ربما يهلك الرهن فيهلك
ج ١ · ص ٢٥٩
بما فيه من الدين أو يموت الكفيل أو يغيب غيبة منقطعة فيهلك ماله
فكذا من عامل في الطاعات ووقع في الأهواء مثل القدرية والجبرية والمعطلة والمشبهة فغرق رأس مالهم في أرباحهم فصارت كلها نسيئة من غير ثقة ولا ملاء
فالكيس لما رأى ذلك قال إني لا أبايع ولا أتاجر أحدا إلا برهينة وكفيل ووثائق فالقليل من الربح مع وفارة رأس المال خير من كثير الأرباح مع تضييع رأس المال فإذا المال والأرباح قد ذهبت كلها لأنها صارت في غير ملاءة ولا ثقة فإن هذه الأرباح كلها على خطر فينبغي أن يكون كفيله ثقة مجانب الأهواء
وكن على حذر وتقوى من الاستماع إلى كلامهم فإنه كله هلاك وتوى والزم السواد الأعظم الذي أشار إليه صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم واتبع سبيله فقد أمرنا الله تعالى في تنزيله بذلك فقال جل ذكره لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة