المفردون
ج ١ · ص ٢٠٥
والتصنع والمداهنة وتعظيم الدنيا والعون في غير ذات الله تعالى على الضر والنفع والبطر بأنعم الله تعالى والكبرياء على عباد الله تعالى والفخر في عطية الله تعالى وخوف الفقر والفرح بالدنيا وبأحوال النفس والحزن على فوتها والتملك في أمر الله والاقتدار والسخط للمقدور وقلة الأمن للرزق والاستبداد في أمر الله تعالى والتهاون بالمؤمن فقد حشا جوفه وزوايا بيته من هذه الأشياء وملأ صدره من دخانها وظلمتها وأنتانها وأدناسها لأن هذا كله من أغصان الكفر والشرك والخروج على الله والمضاهاة بطلب عزه وكبره في أرضه بدنيا دنية وشهوة ردية ويتجبر في حقوقه ويتزين لعبيده كمن لا يؤمن بالله ويداهن في أمره كمن لا يعرف ربه ويعظم دنياه التي حقرها كمن يناصب ربه ويعين في غير ذاته كمن يريد خراب ما عمره الله تعالى ويبطر بأنعمه كمن لا يبالي بها ولا يستحي من المنعم ويسخط في مقدوره ويتجبر في أموره كأنه هو المدبر للأمور فأية حرمة بقيت لهذا الحرم وأية معرفة بقيت لصاحب هذا وقد أغار العدو على كنوزه فبددها وطمسها بما جاء به من هذه الأشياء وهزم العقل حتى انكمن في رأسه وحتى ذهب علمه وإشراقه في الصدر
ج ١ · ص ٢٠٦
قال له قائل قد ذكرت أنه لا تلتقط لقطته فايش لقطته
قال سر القدر والعلوم التي حجب الخلق عن إدراكها فذاك لقطته لا يعرف بيتها ولا وليها ولا يملكها أحد سواه وهي موضوعة في طريق التوحيد ومدرجة العقول إلى التوحيد بلوى للعباد فأهل الزيغ طالبوت لها وباحثون عنها ويفتشون لها ولن يزدادوا بذلك التفتيش إلا غما وحيرة لأنه علم لا يدرك منتهاه بمنزلة بحر عميق مظلم لا يدرك حده ولا نهايته فالسابح فيه كمن سبح في البحر فلا بد له من الغرق والهلك
فهذه اللقطة في الصدر حرم القلب فلا تلتقط لحرمة التوحيد لأن من شرط التوحيد الا تطمع للعباد فيما توحيد الله تعالى به وتفرد
ويحق على العاقل أن يعقل فيقول إذا قلت الله واحد أحد فرد فأي علم في الأحدية والفردية إنما العلم في الصفات صفات القدرة فإذا انتهيت إلى أحديته وفرديته فأي علم هناك تطمع في معرفته وقد انقطعت الصفات وكيف تصف علما ولا صفة له
وقوله لا يخاف آمنها فالحق إذا وجد في القلب والنفس مأمنا فقد اعتزل الخيانة وظهر مكانه الأمن فصار صاحبه محقا فعندها