تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

مثل من يعظ القلوب الخربة — الأمثال من الكتاب والسنة

من الأمثال من الكتاب والسنة لـأبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي — الورقة ٢٩٧ من ٣١٧.

مثل من يعظ القلوب الخربة

ج ١ · ص ٣٠٩

أخذت القوة من القلب

ثم أخرج من ماله شطرا آخر لينفقه في سبيل الله تعالى فقال أين أضعه فطمعت نفسه أن يتصدق به على ملأ من الناس فتحمدك الناس على ذلك ويقال إنه سخي خير فقد زال عن الاستواء إلى أن بطلت رميته حتى خرجت من القوس فسقطت بالأرض ولم يصل إلى مقصوده من الرمية

ثم أخرج درهما آخر فقال أين أضعه فذهب فوضعه في معصية فهذه رمية لم يعمل القوس فيها فالقوس معطلة والوتر منقطع والسهم معوج والرمية غير مسددة

مثل المحق والمبطل مثل رجل بيده اليمنى كوز مملوء من ماء عذب بارد صاف هني مري يجد عذوبته في لهاته وبرده في فيه وحلاوته في حلقه وهناءته ومراءته في جوفه وبيده اليسرى كوز فيه بول قذر منتن وتراه يؤثر هذا على الماء الصافي العذب ويشرب من هذا الرجس فمن نظر إلى فعله أليس يقضي عليه بأحد الحالين إما جنون أو سكر

مثل الدنيا مثل بحر عميق

ج ١ · ص ٣١٠

قال فإنما مثلتهما بكوزين لأن الكوز وعاء للماء والأعمال وعاء الحق والباطل فعمل رضي الله به وأمرك به وأحبه فالحق فيه وذلك العمل وعاء ذلك الحق فأي ماء أعذب وأبرد وأصفى وأهنأ وأمرى من الحق

وفعل آخر زجر الله تعالى عنه وسخطه وأبغضه ونهاك عنه ومقت فاعله فالباطل فيه وذلك وعاء ذلك الباطل فمثلهما كمثل الكوزين في يدي ذلك على ما وصفنا أخذهما رجل بيده على ما وصفنا فمن آثر كوز البول على كوز الماء العذب الهنيء المريء لم يوضع أمره إلا على الجنون أو السكر فمن آثر الباطل على الحق لدنيا يصيبها أو لنفس يغرها ويباهي بها فإنما هو لأحد أمرين إما أن تكون المعرفة قد اختبأت فيه فهو منافق شاك في ربه أو مما يشرب صرفا من حلاوة حب الدنيا فأسكرته ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حبك الشيء يعمي ويصم ) فإذا أصمه وأعماه نافق فإذا آثر الباطل انمحق الباطل وزهق وإن الباطل كان زهوقا وتلاشت الدنيا عنه وبطل ملكه بها وانتقلت إلى غيره ونفسه الطالبة للعز والجاه عادت جيفة منتنة ملأ بطنه صديد وديدان

ت. د . السيد الجميلي — دار ابن زيدون / دار أسامة