مثل من يثني ويعقل عقل مشاهدة
ج ١ · ص ١٢٧
الجوارح الذي أوثق يوم الميثاق وأخلى بيت المال من الأموال وأجاع الجند وأظمأهم وأعراهم وسلكهم في البوادي بلا ماء حتى عطشوا شغل جوارحه عن الطاعات في ارتكاب الحرامات وشغل سمعه عن المواعظ باللغو والأباطيل وبصره عن الاعتبار بالملاهي واللذات والزينة ونسي المقابر والبلى ولها عن ذكر المعاد وسها عن المبدإ والمنتهى من أين وإلى أين ثم لم يقنعها ذلك حتى استمالت القلب فلم تزل تخادعه حتى أسرته وصيرته تابعا لها وتحت يدها مقهورا ذليلا تقود بخطامه حيث شاءت وذهب سلطان المعرفة ووقعت الغارة في كنوز القلب فإذا قدما على الله طولبت النفس بالفرائض والغرامات والجنايات وما ضيعت من الأمانات واشتملت عليه من الظلم للعبيد وسجنت وطولب القلب بالعهد واللواء فإذا لم يوجد معه ضربت عنقه فصار مع الأعداء وخرج اسمه من الأولياء والعهد في باطن إيمانه واللواء على طرف لسانه وهي الكلمة العليا
مثل من سار بقلبه إلى الله عز وجل حتى وصل إلى محل القربة وأعطي سراجا يمشي به في أموره ليكون على بصيرة مثل رجل سار في ليلة مظلمة في طريق فهو يتعسفه فوجد سراجا
مثل التالي كتاب الله في غفلة
ج ١ · ص ١٢٨
يستضيء به فإن لم يكن معه ما يكن سراجه من الريح فهاجت ريح لم يأمن من انطفائه فليس هذا بأمر محكم ولا وثيق فكذلك من سار إلى الله فوصل إلى محل القربة فأعطي سراجا يمشي به في أموره ليكون على بصيرة فهو على خطر عظيم لأنه إذا وجد السراج ونفسه حية بعد والهوى منه بمرصد مع العدو فطالع بذلك السراج سعة أموره وعرفه بصفاته وأشرق في صدره نور ذلك الجمال ونور البهاء ونور البهجة فامتلأ صدره فرجا وطالع كرمه وجوده ومجده فهاجت رياح الشهوات منه لعوارض الدنيا التي يلوح له بها العدو ويرجو بذلك سقطته فتحيرت نفسه وتشجعت على الأمور فرمت به في أودية المهالك فإذا كاس العبد واستعمل الكياسة تجنب أسباب الآفات وأبقى على عطاياه التي أعطي في محل القربة إبقاء رجل لبس ثوبا خطيرا ذا ثمن فصانه أن يلبسه في وقت هيجان الرياح واغبرار الهواء اتقاء على ذهاب طراوته وحاسب نفسه على الدقيق والجليل وكبح بلجام النفس على التجري والتجشع ولزم الدعاء والتضرع وألح في طلب الثبات ولم يدخل في أمر من الأمور إلا بإذن وأودع الله نفسه ودينه وأمانته فإذا كان هكذا رفع من هذه المرتبة إلى القبضة فإذا وقع في القبضة وقع في الثبات والحرز والحفظ والمأمن وصار به يسمع