تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

مثل المؤمن المنتبه — الأمثال من الكتاب والسنة

من الأمثال من الكتاب والسنة لـأبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي — الورقة ١٠٣ من ٣١٧.

مثل المؤمن المنتبه

ج ١ · ص ١١٣

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه قال إذا قال العبد اغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ضحك الرب من قول العبد )

فمثل ذلك كمثل رجل له عبد تليد رباه بين يديه وله عليه رأفة الأمومة وعطف الأبوة فهو يحب أن يكون بين يديه لا يبرح حتى يكون في رعايته وكلاءته وهذا العبد يجول ويتردد فإذا خرج من المأمن نالته نكبة من عثرة إذا اشتد في سعيه فردده وربما شاكته شوكة وربما خدشته السباع بالبراثن والأنياب والسيد قد حذره ذلك فإذا لم يأخذ حذره نالته هذه الأشياء ففزع إلى الأدوية والمراهم يداوي نكباته وفزع إلى منقاش ينزع شوكته فهو يتردد في طلب هذه الأشياء للتداوي بها وهذا كله موجود عند سيده وهو أعلم بدائه وأرفق بمداواته وألطف فيتركه السيد في التردد حتى يعيا ويعجز ويأيس فإذا أيس من هذه الأشياء فزع إلى سيده طالبا من عنده دواءه وعلاجه فإذا صار إلى سيده بتلك الحال ضحك منه كأنه يقول جئتني بعدما اقتدرت وترددت في الاقتدار كالمستغني بما

ج ١ · ص ١١٤

عندك فلما عجزت وأيست جئتني شئت أو أبيت وسيده جواد كريم حسن الخلق واسع الصدر وليس بكز ولا لئيم فيضحك إلى عبده بجهله وقلته وضعفه وعجزه وفقره

فكذلك العبد أمره ربه أن يكون واقفا بين يديه مراقبا لمشيئاته فيه ساعيا في أمره يسعى العبد خائفا لمساخطه معظما لأموره شاكرا لأنعمه عارفا لمنته عالما بإحسانه لاحظا إلى فضله واثقا بما تكفل له من رزقه فذهب العبد فبرح من المقام وأعرض عن المراقبة وأقبل على نهمات نفسه حتى ضيع أمره وذهب في مساخطه كالدابة الحرون الجموح حرن على ربه في جميع أمره ونهيه فاستخف بحقه واستهان بأمره وعظم نفسه وتكبر بأحواله وكفر بنعمه وأنكر منته وجهل إحسانه وعمي عن فضله وتذبذب عقله في شأن ما تكفل له به ثم ذهب 59 يتردد في الصلاة والصوم والصدقة والحج والجهاد وأنواع أعمال البر يريد أن يأخذ نفسه من ربه وينجيها من عذابه بهذه الأشياء فأي خائب أخيب من هذا حيث يعمل مثل هذه الأشياء فلا يكون مفزعه إلى رحمته وافتقاره إلى مغفرته فهذا أحمق جاهل بربه أخاف أن يكله الله إلى عمله حتى يفضحه على رؤوس الأشهاد

ت. د . السيد الجميلي — دار ابن زيدون / دار أسامة