25
ج ١ · ص ٨٣
وقوله أبي تمام:
ثانيه في كبد السماء، ولم يكن ... كاثنين ثان إذا هما في الغار1
وقوله:
يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعا ... من راحتيك درى ما الصاب والعسل
2 وفي نظائر ذلك مما وصفوه بفساد النظم، وعابوه من جهة سوء التأليف، أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطى الشعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وصنع في تقديم أو تأخير، أو حذف وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم. وإذا ثبت أن سبب فساد النظم واختلاله، وأن لا يعمل بقوانين هذا الشأن، ثبت أن سبب صحته أن يعمل عليها ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا العلم، ثبت أن الحكم كذلك في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه، وإذا ثبت جميع ذلك، ثبت أن ليس هو شيئا غير توخي معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم"3 والله الموفق للصواب.
شواهد على محاسن "النظم":
وإذا قد عرفت ذلك، فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن4،
تمهيد للكلام في الفصاحة والبلاغة
ج ١ · ص ٨٤
وتشاهدوا له بالفضل، ثم جعلوه كذلك من أجل "النظم" خصوصا، دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر، من معنى لطيف أو حكمة أو ادب أو استعارة أو تجنيس أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم، وتأمله1، فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت، فانظر إلى حركات الأريحية مم كانت؟ وعند ماذا ظهرت؟ فإنك ترى عيانا أن الذي قلت لك كما قلت. اعمد إلى قول البحتري:
بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا
هو المرء أبدت له الحادثات ... عزما وشيكا ورأيا صليبا
تنقل في خلقي سؤدد ... سماحا مرجى وبأسا مهيبا
فكالسيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا2
فإذا رأيتها قد راقتك وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزازا في نفسك، فعد فانظر في السبب واستقص في النظر، فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدم وأخر، وعرف ونكر، وحذف وأضمر، وأعاد وكرر، وتوخى على الجملة وجها من الوجوه التي يقتضيها "علم النحو"، فأصاب في ذلك كله، ثم لطف موضع صوابه، وأتى مأتى يوجب الفضيلة.
أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها قوله: "هو المرء أبدت لها الحادثات" ثم قوله: "تنقل في خلقي سؤدد" بتنكير "السؤدد" وإضافة "الخلقين".