287
ج ١ · ص ٥٤٢
وإذا قد عرفت أنه لا يتصور الخبر إلا فيما بين شيئين: مخبر به ومخبر عنه، فينبغي أن تعلم أنه يحتاج من بعد هذين إلى ثالث، وذلك أنه كما لا يتصور أن يكون ههنا خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، كذلك لا يتصور حتى يكون له مخبر يصدر عنه ويحصل من جهته، وتعود التبعة فيه عليه، فيكون هو الموصوف بالصدق إن كان صدقا، وبالكذب إن كان كذبا. أفلا ترى أن من المعلوم ضرورة أنه لا يكون إثبات ونفي، حتى يكون مثبت وناف يكون مصدرهما من جهته، ويكون هو المزجي لهما، والمبرم والناقض فيهما، ويكون بهما موافقا ومخالفا، ومصيبا ومخطئا، ومسيئا ومحسنا1.
"الخبر" وجميع معاني الكلام، معان ينشئها الإنسان في نفسه:
وجملة الأمر أن الخبر وجميع معماني الكلام معان ينشئها الإنسان في نفسه، ويصرفها في فكره2، ويناجي بها قلبه، ويارجع فيها عقله، وتوصف بأنها مقاصد وأغراض. وأعظمها شأنا الخبر، فهو الذي يتصور بالصور الكثيرة، وتقع فيه الصناعات العجيبة، وفيه تكون المزايا التي بها يقع التفاضل في الفصاحة على ما شرحنا3.
ثم إنا نظرنا في المعنى التي يصفها العقلاء بأنها معان مستنبطة، ولطائف مستخرجة، ويجعلون لها اختصاصا بقائل دون قائل، كمثل قولهم في معاني أبيات من الشعر4: "إنه معنى لم يسبق إليه فلان، وأنه الذي فطن له.
ج ١ · ص ٥٤٣
واستخرجه، وإنه الذي غاص عليه بفكره، وإنه أبو عذره، لم تجد تلك المعاني في الأمر الأعم شيئا غير الخبر الذي هو إثبات المعنى للشيء ونفيه عنه. ويدلك على ذلك أنك لا تنظر إلى شيء من المعاني الغريبة التي تختص بقائل دون قائل1، إلا وجدت الأصل فيه والأساس الإثبات والنفي. وإن أردت في ذلك مثالا فانظر إلى بيت الفرزدق:
وما حملت أم أمرئ في ضلوعها ... أعق من الجاني عليها هجائيا
فإنك إذا نظرت لم تشك في أن الأصل والأساس هو قوله: "وما حملت أم امرئ"، وأن ما جاوز ذلك من الكلمات إلى آخر البيت، مستند إليه ومبني عليه2، وأنك إن رفعته لم تجد لشيء منها بيانا، ولا رأيت لذكرها معنى، بل ترى ذكرك لها إن ذكرتها هذيانا. والسبب الذي من أجله كان كذلك، أن من حكم كل ما عدا جزئي الجملة "الفعل والفاعل" و "المبتدأ والخبر"، أن يكون تخصيصا للمعنى المثبت أو المنفي3، فقوله: "في ضلوعها"، يفيد أولا أنه لم يرد نفي الحمل على الإطلاق، ولكن الحمل في الضلوع، وقوله: "أعق"، يفيد أنه لم يرد هذا الحمل الذي هو حمل في الضلوع أيضا على الإطلاق، ولكن حملا في الضلوع محموله أعق من الجاني عليها هجاءه. وإذا كان ذلك كله تخصيصا للحمل، لم يتصور أن يعقل من دون أن يعقل نفي الحمل، لأنه لا يتصور