تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

247 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٤٧٢ من ٦٧٠.

247

ج ١ · ص ٤٧٣

إلى اللفظ، لم تجد شيئا يحيل في وجوبه عليه البتة1، اللهم إلا أن يجعل الإعجاز في الوزن، ويزعم أن "النسق" الذي تراه في ألفاظ القرآن إنما كان معجزا، من أجل أن كان قد حدث عنه ضرب من الوزن يعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله.

وإذا قال ذلك، لم يمكنه أن يقول: "إن التحدي، وقع إلى أن يأتوا بمثله في فصاحته وبلاغته"، لأن الوزن ليس هو في الفصاحة والبلاغة في شيء، إذا لو كان له مدخل فيهما، لكان يجب في كل قصيدتين افتقتا في الوزن أن تنفقا في الفصاحة والبلاغة.

فإن دعا بعض الناس طوال الإلف لما سمع من أن الإعجاز في اللفظ إلى أن يجعله في مجرد الوزن، كان قد دخل في أمر شنيع، وهو أنه يكون قد جعل القرآن معجزا، لا من حيث هو كلام، ولا بما به كان لكلام فضل على كلام فليس بالوزن ما كان الكلام كلاما، ولا به كان كلام خيرا من كلام.

سهولة "اللفظ" وخفته في شأن إعجاز القرآن:

وهكذا السبيل إن زعم زاعم أن الوصف المعجز هو "الجريان والسهولة"، ثم يعني بذلك سلامته من أن تلتقي فيه حروف تثقل على اللسان، لأنه ليس بذلك كان الكلام كلاما، ولا هو بالذي يتناهى أمره إن عد في الفضيلة إلى أن يكون الأصل، وإلى أن يكون المعول عليه في المفاضلة بين كلام وكلام، فما به كان الشاعر مفلقا، والخطيب مصقعا، والكاتب بليغا.

ج ١ · ص ٤٧٤

ورأينا العقلاء1، حيث ذكروا عجز العرب عن معارضة القرآن، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم تحداهم وفيهم الشعراء والخطباء والذين يدلون بفصاحة اللسان، والبراعة والبيان، وقوة القرائح والأذهان، والذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب2 ولم نرهم قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم تحداهم وهم العارفون بما ينبغي أن يصنع3، حتى يسلم الكلام من أن تلتقي فيه حروف تنقل على اللسان.

ولما ذكروا معجزات الأنبياء عليهم السلام وقالوا: إن الله تعالى قد جعل معجزة كل نبي فيما كان أغلب على الذين بعث فيهم، وفيما كانوا يتباهون به، وكانت عوامهم تعظم به خواصهم4 قالوا: إنما لما كان السحر الغالب على قوم فرعون، ولم يكن قد استحكم في زمان استحكامه في زمانه، جعل تعالى معجزة موسى عليه السلام في إبطاله وتوهينه ولما كان الغلب على زمان عيسى عليه السلام الطب، جعل الله تعالى معجزته في إبراه الكمه والأبرص وإحياء الموتى ولما انتهوا إلى ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وذكر ما كان الغالب على زمانه، لم يذكوا البلاغة والبيان والتصرف في ضروب النظم.

وقد ذكرت في الذي تقدم غير ما ذكرته ههنا5، مما يدل على سقوط

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م