تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

244 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٤٦٥ من ٦٧٠.

244

ج ١ · ص ٤٦٦

وإذا كان كل واحد منهم قد أعطى يده بأن الفصاحة لا تكون في الكلم أفرادا، وأنها إنما تكون إذا ضم بعضها إلى بعض، وكان يكون المراد بضم بضعها إلى بعض، تعليق معانيها بعضها ببعض، لا كون بعضها في النطق على أثر بعض1 كان واجبا، إذا علم ذلك، أن يعلم أن الفصاحة تجب لها من أجل معانيها، لا من أجل أنفسها، لأنه محال أن يكون سبب ظهور الفصاحة يها، تعلق معانيها بعضها ببعض، ثم تكون الفصاحة وصفا تجب لها لأنفسها لا لماعنيها. وغذا كان العلم بهذه ضرورة، ثم رأيتهم لا يعلمونه، فليس إلا أن اعتزامهم على التقليد قد حال بينهم وبين الفكرة، وعرض لهم منه شبه الأخذة2.

تعويل المعتزلة على "نسق الألفاظ" في شأن الفصاحة:

وأعلم أنك إذا نظرت وجدت مثلهم مثل من يرى خيال الشيء فيحسبه الشيء، وذاك أنهم قد اعتمدوا في كل أمرهم على النسق الذي يرونه في الألفاظ، وجعل لا يحفلون بغيره، ولا يعولون في الفصاحة وباللاغة على شيء سواء، حتى انتهوا إلى أن زعموا من عمد إلى شعر فصيح فقرأه ونطق بألفاظه على النسق الذي وضعها الشاعر عليه، كان قد أتى بمثل ما أتى به الشاعر في فصاحته وبلاغته، إلا أنهم زعموا أنه يكون في إتيانه به محتذيا لا مبتدئا3.

ج ١ · ص ٤٦٧

ونحن إذا تأملنا وجدنا الذي يكون في الألفاظ من تقديم شيء منها على شيء، إنما يقع في النفس أنه "نسق"، إذا اعتبرنا ما توخي من معاني النحو في معانيها، فأما مع ترك اعتبار ذلك، فلا يقع ولا يتصور بحال، أفلا ترى أنك لو فرضت في قوله:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

أن لا يكون "نبك" جوابا للأمر، ولا يكون معدى "بمن" إلى "ذكرى" ولا يكون "ذكرى" مضافة إلى "حبيب"، ولا يكون "منزل" معطوفا بالواو على "حبيب"1 لخرج ما ترى فيه من التقديم والتأخير عن أن يكون "نسقا"؟ ذاك لأنه إنما يكون تقديم الشيء على الشيء نسقا وترتيبا، إذا كان ذلك التقديم قد كان لموجب أوجب أن يقدم هذا ويؤخر ذاك، فأما أن يكون مع عدم الموجب نسقا، فمحال، لأنه لو كان يكون تقديم اللفظ على اللفظ من غير أن يكون له موجب "نسقا"، لكان ينبغي أن يكون توالي الألفاظ في النطق على أي وجه كان "نسقا"، حتى إنك لو قلت: "نبك قفا حبيب ذكرى من"، لم تكن قد أعدمته النسق والنظم وإنما أعدمته الوزن فقط. وقد تقدم هذا فيما مضى2، ولكنا أعدناه ههنا، لأن الذي أخذنا فيه من إسلام القوم أنفسهم إلى التقليد، اقتضى إعادته.

"الاحتذاء"، و"الأسلوب":

واعلم أن "الاحتذاء" عند الشعراء وأهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه3، أن يبتدئ الشاعر في معنى له وغرض أسلوبا و "الأسلوب"

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م