تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

241 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٤٥٩ من ٦٧٠.

241

ج ١ · ص ٤٦٠

ذاك أنه ليس ههنا شيء يزعم أنه شبهه باليد، حتى يكون لفظ "اليد" مستعارا له، وكذلك ليس فيه شيء يتوهم أن يكون قد شبهه بالزمام، وإنما المعنى على أنه شبه "الشمال" في تصريفها "الغداة" على طبيعتها، بالإنسان يكون زمام البعير في يده، فهو يصرفه على إرادته، ولما أراد ذلك جعل للشمال يدا، وعلى الغداة زماما. وقد شرحت هذا قبل شرحا شافيا1.

وليس هذا الضرب من الاستعارة بدون الضرب الأول في إيجاب وصف "الفصاحة" للكلام، لا بل هو أقوى منه في اقتضائها. والمحاسن التي تظهر به، والصور التي تحدث للمعاني بسببه، آنق وأعجب. وإن أردت أن تزداد علما بالذي ذكرت لك من أمره، فانظر إلى قوله:

سقته كف الليل أكواس الكرى2

وذلك أنه ليس يخفى على عاقل أنه لم يرد أن يشبه شيئا بالكف، ولا أراد ذلك في "الأكواس" ولكن لما كان يقال: "سكر الكرى" و "سكر النوم"، استعار للكرى "الأكواس"، كما استعار الآخر "الكأس" في قوله:

وقد سقى القوم كأس النعسة السهر3

ثم إنه لما كان الكرى يكون في الليل، جعل الليل ساقيا، ولما جعله ساقيا جعل له كفا، إذا كان الساقي يناول الكأس بالكف.

ج ١ · ص ٤٦١

ومن اللطيف النادر في ذلك، ما تراه في آخر هذه الأبيات، وهي للحكم بن قنبر:

ولولا اعتصامي بالمنى كلما بدا ... لي اليأس منها، لم يقم بالهوى صبري

ولولا انتظاري كل يوم جدي غد، ... لراح بنعشي الدافنون إلى قبري

وقد رايني وهن المنى وانقباضها ... وبسط جديد اليأس كفيه في صدري

ليس المعنى على أنه استعار لفظ "الكفين" لشيء، ولكن على أنه أراد أن يصف اليأس بأنه قد غلب على نفسه، وتمكن في صدره، ولما أراد ذلك وصفه بما يصفون فيه الرجل بفضل القدرة على الشيء1، وبأنه ممكن منه، وأن يفعل فيه كل ما يريد2، كقولهم: "قد بسط يديه في المال ينفقه ويصنع فيه ما يشاء"، و "قد بسط العامل يده في الناحية وفي ظلم الناس"، فليس لك إلا أن تقول: "إنما لما أراد ذلك، جعل الليأس "كفين"، واستعارهما له، فأما أن توقع الاستعارة فيه على "اللفظ"، فما لا تخفى استحالته على عاقل3.

"المجاز"، كالاستعارة، إلا أنه أعم:

والقول في "المجاز" هو القول في "الاستعارة"، لأنه ليس هو بشيء غيرها، وغنما الفرق أن "المجاز" أعم من حيث إن كل استعارة مجاز، وليس كل مجاز استعارة.

وإذا نظرنا من "المجاز" يما لا يطلق عليه أن "استعارة" ازداد خطأ القوم

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م