تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

216 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٤١٧ من ٦٧٠.

216

ج ١ · ص ٤١٨

ولو كان عدمه العلم بهذه العبارات1، بمنعه العلم بما وضعناها له وأردناه بها لكان ينبغي أن لا تكون له سبيل إلى بيان أغراضه، وأن لا يفصل فيما يتكلم به بين نفي وإثبات، وبين "ما" إذا كان استفهاما، وبينه إذا كان بمعنى "الذي"، وإذا كان بمعنى المجازاة، لأنه لم يسمع عبارتنا في الفرق بين هذه المعاني.

أترى الأعرابي حين سمع المؤذن يقول: "أشهد أن محمدا رسول الله" بالنصب، فاأنكر وقال: صنع ماذا؟ أنكر عن غير علم أن النصب يخرجه عن أن يكون خيرا ويجعله والأول في حكم اسم واحد، وأنه إذا صار والأول في حكم اسم واحد، احتيج إلى اسم آخر أو فعل، حتى يكون كلاما، وحتى يكون قد ذكر ما له فائدة؟ إن كان لم يعلم ذلك، فلماذا قال: "صنع ماذا؟ "، فطلب ما يجعله خيرا؟

بيان في رد شبهة المعتزلة:

ويكفيك أنه يلزم على ما قالوه أنت يكون امرؤ القيس حين قال:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

قاله وهو لا يعلم ما نعنيه بقولنا: إن "قفا" أمر، و "نبك" جواب الأمر، و "ذكرى" مضاف إلى "حبيب"، و "منزل" معطوف على الحبيب وأن تكون هذه الألفاظ قد ترتبت له من غير قصد منه إلى هذه المعاني2. وذلك يوجب أن يكون قال: "نبك" بالجزم من غير أن يكون عرف معنى يوجب الجزم وأني به مؤخرا عن "قفا"، من غير أن عرف لتأخيره موجبا سوى طلب الوزن.

217

ج ١ · ص ٤١٩

ومن أفضت به الحال إلى أمثال هذه الشناعات، ثم لم يرتدع، ولم يتبين أنه على خطأ، فليس إلا تركه والإعراض عنه.

ولولا أنا نحنب أن ينبس أحد في معنى السؤال والاعتراض بحروف إلا أريناه الذي استهواه، لكان ترك التشاغل بإيراد هذا وشبهه أولى.

ذاك لأنا قد علمنا علم ضرورة أنا لو بقينا الدهر الأطول تصعد ونصوب1، ونبحث وننقب، نبتغي كلمة قد اتصلت بصاحبة لها، ولفظة قد انتظمت مع أختها، من غير أن توخي فيما بينهما معنى من معاني النحو2، طلبنا ممتنعا، وثنينا مطايا الفكر ظلما. فإن كان ههنا من يشك في ذلك، ويزعم أنه قد علم لاتصال الكلم بعضها ببعض، وانتظام الألفاظ بعضها مع بعض، معاني غير معاني النحو، فإنا نقول له: هات، فبين لنا تلك المعاني، وأرنا مكانها، واهدنا لها، فلعلك قد أوتيت علما قد حجب عنا، وفتح لك باب قد أغلق دوننا:

وذاك له إذا العنقاء صارت ... مرببة وشب ابن الخصى3

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م