تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

157 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٣٢٦ من ٦٧٠.

157

ج ١ · ص ٣٢٧

: فصل في "إنما" ومواقعها

فصل: في مسائل "إنما"

قول الفارسي في "إنما" في كتابه "الشيرازيات":

قال الشيخ أبو علي في "الشيرازيات"1: "يقول ناس من النحويين في نحو قوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} [الأعراف: 33]، إن المعنى: ما حرم ربي إلا الفواحش. قال: وأصبت ما يدل على صحته قولهم في هذا، وهو قول الفرزدق:

أنا الذائد الحامي الذمار، وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي2

فليس يخلو هذا الكلام من أن يكون موجبا أو منفيا. فلو كان المراد به الإيجاب لم يستقيم، ألا ترى أنك لا تقول: "يدافع أنا" و "لا يقاتل أنا"، وإنما تقول: "أدافع" و "أقاتل" إلا أن المعنى لما كان: "ما يدافع إلا أنا"، فصلت الضمير كما تفصله مع النفي إذا ألحقت معه "إلا"، حملا على المعنى، وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم} [البقرة: 173، سورة النحل: 115]، النصب في "الميتة" هو القراءة، ويجوز: "إنما حرم عليكم". قال أبو إسحاق: والذي اختاره أن تكون "ما" هي التي تمنع "إن" من العمل، ويكون المعنى: "ما حرم عليكم إلا الميتة"، لأن "إنما" تأتي إثباتا لما يذكر بعدها، ونفيا لما سواه، وقول/ الشاعر/.

وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي

المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا او مثلي". انتهى كلام أبي علي.

158

ج ١ · ص ٣٢٨

ليس كل كلام يصلح فيه "ما"، و"إلا" يصلح فيه "إنما":

اعلم أنهم، وإن كانوا قد قالوا هذا الذي كتبته لك، فإنه لم يعنوا بذلك أن المعنى في هذا هو المعنى في ذلك بعينه، وأن سبيلهما سبيل اللفظين يوضعان لمعنى واحد. وفرق بين أن يكون في الشيء معنى الشيء، وبين أن يكون الشيء الشيء على الإطلاق.

يبين لك أنهما لا يكونان سواء، أنه ليس كل كلام يصلح فيه "ما" و "إلا"، يصلح فيه "إنما". ألا ترى أنها لا تصلح في مثل قوله تعالى: {وما من إله إلا الله} [آل عمران: 62]، ولا نحو قولنا: "ما أحد إلا وهو يقول ذك"، إذ لو قلت: "إنما من إله الله" و "إنما أحد وهو يقول ذاك"، قلت ما لا يكون له معنى.

فإن قلت: إن ذلك أن "أحدا" لا يقع إلا في النفي وما يجري مجرى النفي من النهي والاستفهام، وأن "من" المزيدة في "ما من إله إلا الله"، كذلك لا تكون إلا في النفي.

قيل: ففي هذا كفاية، فإنه اعتراف بأن ليسا سواء، لأنهما لو كانا سواء لكان ينبغي أن يكون في "إنما" من النفي مثل ما يكون في "ما" و "إلا" وكما وجدت "إنما" لا تصلح فيما ذكرنا، كذلك تجد "ما" و "إلا" لا تصلح في ضرب من الكلام قد صلحت فيه "إنما"، وذلك في مثل قولك:"إنما هو درهم لا دينار"، لو قلت: "ما هو إلا درهم لا دينار"، لم يكن شيئا. وإذ قد بان بهذه الجملة أنهم حين جعلوا "إنما" في معنى "ما" و "إلا"، لم يعنوا أن المعنى فيهما واحد على الإطلاق، وأن يسقطوا الفرق1 فإني أبين لك أمرهما، وما هو أصل في كل واحد منهما، بعون الله وتوفيقه.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م