132
ج ١ · ص ٢٨٢
الأمرين جميعا، وعلى أنه عليه السلام أراد أنه لم يكن واحد منهما، لا القصر ولا النسيان. ولو قيل: "لم يكن كل ذلك"، لكان المعنى أنه قد كان بعضه.
واعلم أنه لما كان المعنى مع إعمال الفعل المنفي في "كل" نحو: "لم يأتني القوم كلهم" و "لم أر القوم كلهم"، على أن الفعل قد كان من البعض، ووقع على البعض، قلت: "لم يأتني القوم كلهم، ولكن أتاني بعضهم" و "لم أر القوم كلهم، ولكن رأيت بعضهم" فأثبت بعد ما نفيت، ولا يكون ذلك مع رفع "كل" بالابتداء. فلو قلت: "كلهم لم يأتني، ولكن أتاني بعضهم" و "كل ذلك لم يكن، ولكن كان بعض ذلك"، لم يجز، لأنه يؤدي إلى التناقض، وهو أن تقول: "لم يأتني واحد منهم، ولكن أتاني بعضهم".
واعلم أنه ليس التأثير لما ذكرنا من إعمال الفعل وترك إعماله على الحقيقة، وإنما التأثير لأمر آخر، وهو دخول "كل" في حيز النفي، وأن لا يدخل فيه. وإنما علقنا الحكم في البيت وسائر ما مضى بإعمال الفعل وترك إعماله1، من حيث كان إعماله فيه يقتضي دخوله في حيز النفي، وترك إعماله يوجب خروجه منه، من حيث كان الحرف النافي في البيت حرفا لا ينفصل عن الفعل، وهو "لم" لا أن كونه معمولا للفعل وغير معمول،
ج ١ · ص ٢٨٣
بمقتضى ما رأيت من الفرق. أفلا ترى أنك لو جئت بحرف نفي يتصور انفصاله عن الفعل، لرأيت المعنى في "كل" مع ترك إعمال الفعل، مثله مع إعماله، ومثال ذلك قوله:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه1
وقول الآخر:
ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد2
"كل" كما ترى غير معمل فيه الفعل، ومرفوع، إما بالابتداء، وإما بأنه اسم "ما"، ثم إن المعنى مع ذلك على ما يكون عليه إذا أعملت فيه الفعل فقلت: "ما يدرك المرء كل ما يتمناه"، و "ما يدعو كل رأي الفتى إلى رشد"، وذلك أن التأثير لوقوعه في حيز النفي، وذلك حاصل في الحالين. ولو قدمت "كلا" في هذا فقلت: "كل ما يتمنى المرء لا يدركه" و "كل رأي الفتى لا يدعو إلى رشد" لتغير المعنى، ولصار بمنزلة أن يقال: "إن المرء لا يدرك شيئا مما يتمناه"، و "لا يكون في رأي الفتى ما يدعو إلى رشد بوجه من الوجوه".
واعلم أنك إذا أدخلت "كلا" في حيز النفي، وذلك بأن تقدم النفي عليه لفظا أو تقديرا، فالمعنى على نفي الشمول دون نفي الفعل