تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

8 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٢٦ من ٦٧٠.

8

ج ١ · ص ٢٧

زهدهم في النحو واحتقارهم له:

وأما زهدهم في النحو واحتقارهم له2، وإصغارهم أمره، وتهاونهم به، فصنيعهم في ذلك أشنع من صنيعهم في الذي تقدم، وأشبه بأن يكون صدا عن كتاب الله، وعن معرفة معانيه؛ ذاك لأنهم لا يجدون بدا من أن يعترفوا بالحاجة إليه فيه، إذا كان قد علم أن الألفاظ معلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه، لا ينكر ذلك إلا من ينكر حسه، وإلا من غالط في الحقائق نفسه، وإذا كان الأمر كذلك، فليت شعري ما عذر من تهاون به وزهد فيه، ولم ير أن يستقيه من مصبه3، ويأخذه من معدنه، ورضى بالنقص والكمال لها معرض، وآثر الغبينة وهو يجد إلى الربح سبيلا.

فاتحة المصنف في مكانة العلم

ج ١ · ص ٢٨

فإن قالوا: إنا لم نأب صحة هذا العلم، ولم ننكر مكان الحاجة إليه في معرفة كتاب الله تعالى، وإنما أنكرنا أشياء كثرتموه بها، وفضول قول تكلفتموها، ومسائل عويصة تجشمتم الفكر فيها، ثم لم تحصلوا على شيء أكثر من أن تعربوا على السامعين، وتعايوا بها الحاضرين.

قيل لهم: خبرونا عما زعمتم أنه فضول قول، وعويص لا يعود بطائل، ما هو؟ فإن بدأوا فذكروا مسائل التصريف التي يضعها النحويون للرياضة، ولضرب من تمكين المقاييس في النفوس، كقولهم: كيف تبني من كذا كذا؟ وكقولهم: ما وزن كذا؟ وتتبعهم في ذلك الألفاظ الوحشية، كقولهم: ما وزن "عزويت"؟ وما "أرونان"؟ وكقولهم في باب ما لا ينصرف: لو سميت رجلا بكذا، كيف يكون الحكم؟ وأشباه ذلك، وقالوا: أتشكون أن ذلك لا يجدي إلا كد الفكر وإضاعة الوقت؟

قلنا لهم: أما هذا الجنس، فلسنا نعيبكم إن لم تنظروا فيه ولم تعنوا به، وليس يهمنا أمره، فقولوا فيه ما شئتم، وضعوه حيث أردتم. فإن تركوا ذلك وتجاوزوه إلى الكلام على أغراض واضع اللغة، على وجه الحكمة في الأوضاع، وتقرير المقاييس التي اطردت عليها، وذكر العلل التي اقتضت أن تجري على ما أجريت عليه، كالقول في المعتل، وفيما يلحق بالحروف الثلاثة التي هي الواو والياء والألف من التغيير بالإبدال والحذف والإسكان1، أو ككلامنا مثلا على التثنية وجمع السلامة، لم كان إعرابهما على خلاف إعراب الواحد، ولم تبع النصب فيهما الجر؟ وفي "النون" إنه عوض عن الحركة

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م