تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

107 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٢٤٠ من ٦٧٠.

107

ج ١ · ص ٢٤١

منا عذاب أليم، قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون، وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} [يس: 13 - 21]، التقدير الذي قدرناه من معنى السؤل والجواب بين ظاهر في ذلك كله، ونسأل الله التوفيق للصواب، والعصمة من الزلل.

108

ج ١ · ص ٢٤٢

فصل:

وإذ قد عرفت هذه الأصول والقوانين في شأن فصل الجمل ووصلها، فاعلم أنا قد حصلنا من ذلك على أن الجمل على ثلاث أضرب:

جملة حالها مع التي قبلها حال الصفة مع الموصوف والتأكيد مع المؤكد، فلا يكون فيها العطف البتة، لشبه العطف فيها، لو عطفت، بعطف الشيء على نفسه.

وجملة حالها مع التي قبلها حال الاسم يكون غير الذي قبله، إلا أنه يشاركه في حكم، ويدخل معه في معنى، مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلا أو مفعولا أو مضافا إليه، فيكون حقها العطف.

وجملة ليست في شيء من الحالين، بل سبيلها مع التي قبلها سبيل الاسم مع الاسم لا يكون منه في شيء، فلا يكون إياه ولا مشاركا له في معنى، بل هو شيء إذا ذكر لم يذكر إلا بأمر ينفرد به، ويكون ذكر الذي قبله وترك الذكر سواء في حاله، لعدم التعلق بينه وبينه رأسا. وحق هذا ترك العطف البتة.

فترك العطف يكون إما للاتصال إلى الغاية أو الانفصال إلى الغاية والعطف لما هو واسطة بين الأمرين، وكان له حال بين حالين، فاعرفه.

ج ١ · ص ٢٤٣

فصل: بيان دقيق في شأن عطف الجمل:

هذا فن من القول خاص دقيق. إعلم أن مما يقل نظر الناس فيه من أمر "العطف" أنه قد يؤتى بالجملة فلا تعطف على ما يليها، لوكن تعطف على جملة بينها وبين هذه التي تعطف جملة أو جملتان، مثال ذلك قول المتنبي:

تولوا بغتة فكأن بينا ... تهيبني ففاجأني اغتيالا

فكان مسير عيسهم ذميلا ... وسير الدمع إثرهم انهمالا1

قوله: "فكان مسير عيسهم"، معطوف على "تولوا بغتة"، دون ما يليه من قوله: "ففاجأني"، لأنا إن عطفناه على هذا الذي يليه أفسدنا المعنى، من حيث إنه يدخل في معنى "كأن"، وذلك يؤدي إلى أن لا يكون مسير عيسهم حقيقة، ويكون متوهما، كما كان تهيب البين كذلك.

وهذا أصل كبير. والسبب في ذلك أن الجملة المتوسطة بين هذه المعطوفة أخيرا، وبين المعطوف عليها الأولى، ترتبط في معناها بتلك الأولى، كالذي ترى أن قوله: "فكأن بيننا تهيبني"، مرتبط بقوله: "تولوا بغتة"، وذلك أن الثانية مسبب والأولى سبب. ألا ترى أن المعنى: "تولوا بغتة فتوهمت أن بيتا تهيبني؟ " ولا شك أن هذا التوهم كان بسبب أن كان التولي بغتة. وإذا كان كذلك، كانت مع الأولى كالشيء الواحد، وكان منزلتها منها منزلة المعفعول والظرف وسائر ما يجيء بعد تمام الجملة من معمولات الفعل، مما لا يمكن إفراده عن الجملة2، وأن يعتد كلاما على جدته.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م