100
ج ١ · ص ٢٢٦
ومما له مأخذ لطيف في هذا الباب قول أبي تمام:
لهان علينا أن نقول وتفعلا ... ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا1
الصفة والتأكيد لا تحتاج إلى شيء يصلها بالموصوف أو المؤكد:
واعلم أنه كماكان من الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله، فيستغني بصلة له عن واصل يصله ورابط يربطه وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف إلى شيء يصلها به، وكالتأكيد الذي لا يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكد2 كذلك يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها، وتستغني بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها، وهي كل جملة كانت مؤكدة للتي قبلها ومبينة لها، وكانت إذا حصلت لم تكن شيئا سواها، كما لا تكون الصفة غير الموصوف، والتأكيد غير المؤكد. فإذا قلت: "جاءني زيد الظريف"، و "جاءني القوم كلهم"، لم يكن "الظريف" و "كلهم" غير زيد وغير القوم.
الجملة المؤكدة لا تحتاج إلى عاطف وأمثلة ذلك:
ومثال ما هو من الجمل كذلك قوله تعالى: {آلم، ذلك الكتاب لا ريب فيه} [البقرة: 1، 2] قوله: "لا ريب فيه"، بيان وتوكيد وتحقيق لقوله: {ذلك الكتاب}، وزيادة تثبيت له، وبمنزلة أن تقول: "هو ذلك الكتاب، هو ذلك الكتاب"، فتعيده مرة ثانية لتثبته، وليس يثبت الخبر غير الخبر، ولا شيء يتميز به عنه فيحتاج إلى ضام يضمه إليه، وعاطف يعطفه عليه.
101
ج ١ · ص ٢٢٧
ومثل ذلك قوله تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم} [البقرة: 6، 7] قوله تعالى: {لا يؤمنون}، تأكيد لقوله: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم}، وقوله: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم}، تأكيد ثان أبلغ من الأول، لأن من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم يندر، كان في غاية الجهل، وكان مطبوعا على قلبه لا محالة.
وكذلك قوله عز وجل: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين، يخادعون الله} [البقرة: 8، 9] إنما قال "يخادعون" ولم يقل: "ويخادعون" لأنه هذه المخادعة ليست شيئا غير قولهم: "آمنا"، من غير أن يكونوا مؤمنين، فهو إذن كلام أكد به كلام آخر هو في معناه، وليس شيئا سواه.
وهكذا قوله عز وجل: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} [البقرة: 14]، وذلك لن معنى قولهم: "إنا معكم": أنا لم نؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم نترك اليهودية. وقولهم: {إنما نحن مستهزئون} خبر بهذا المعنى بعينه، لأنه لا فرق بين أن يقولوا: "إن لم نقل ما قلناه من أنا آمنا إلا استهزاء"، وبين أن يقولوا: "إن لم نخرج من دينكم وإنا معكم"، بل هما في حكم الشيء الواحد، فصار كأنهم قالوا: "إن معكم لم تفارقكم" فكما لا يكون "إنا لم نفارقكم" شيئا غير {إنا معكم}، كذلك لا يكون {إنما نحن مستهزئون} غيره، فاعرفه.
ومن الواضح البين في هذا المعنى قوله تعالى: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا} [لقمان: 7]، لم يأت معطوفا.