83
ج ١ · ص ١٩٧
تعني أنه معدود بألف لا معنى فيهم ولا فضيلة لهم بوجه1، بل تريد أنه يعطيك من معاني الشجاعة أو العلم أو كذا أو كذا مجموعا2، ما لا تجد مقداره مفرقا إلا في ألف رجل. وأما في نحو "أنت الشجاع"، فإنك تدعي له مقداره مفرقا إلا في ألف رجل. وأما في نحو "أنت الشجاع"، فإنك تدعي له أن قد انفرد بحقيقة الشجاعة، وأنه قد أوتي فيها مزية وخاصية لم يؤتها أحد، حتى صار الذي كان يعده الناس شجاعة غير شجاعة، وحتى كأن كل إقدام إحجام، وكل قوة عرفت في الحرب ضعف. وعلى ذلك قالوا: "جاد حتى بخل كل جواد، وحتى منع أن يستحق اسم الجواد أحد"، كما قال:
وإنك لا تجود على جواد ... هباتك أن يلقب بالجواد3
وكما يقال: "جاد حتى كأن لم يعرف لأحد جود، وحتى كأن قد كذب الواصفون الغيث بالجود"، كما قال:
أعطيت حتى تركت الريح حاسرة ... وجدت حتى كأن الغيث لم يجد4
84
ج ١ · ص ١٩٨
هذا فصل في "الذي" خصوصا:
"الذي"، ومجيئه لوصف المعارف بالجمل، وما تحتها من الأسرار:
إعلم أن لك في "الذي" علما كثيرا، وأسرار جمة، وخفايا إذا بحثت عنها وتصورتها أطلعت على فوائد تؤنس النفس، وتثلج الصدر، بما يفضي بك إليه من اليقين، ويؤديه إليك من حسن التبيين.
والوجه في ذلك أن تتأمل عبارات لهم فيه لم وضع، ولأي غرض اجتلب، وأشياء وصفوه بها. فمن ذلك قولهم: "إن "الذي" اجتلب ليكون وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، كما اجتلب "ذو" ليتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس"، يعنون بذلك أنك تقول: "مررت بزيد الذي أبوه منطلق" و "الرجل الذي كان عندنا أمسي"، فتجدك قد توصلت ب "الذي" إلى أن أبنت زيدا من غيره، بالجملة التي هو قولك: "أبوه منطلق"، ولولا "الذي" لم تصل إلى ذلك كما أنك تقول: "مررت برجل ذي مال" فتتوصل ب "ذي" إلى أن تبين الرجل من غيره بالمال، ولولا "ذو" لم يتأت لك ذلك، إذ لا تستطيع أن تقول: "برجل مالي".
فهذه جملة مفهومة؟ إلا أن تحتها خبايا تحتاج إلى الكشف عنها. فمن ذلك أن تعلم من أين امتنع أن توصف المعرفة بالجملة، ولم لم يكن حالها في ذلك حال النكرة التي تصفها بها في قولك: "مررت برجل أبوه منطلق": و "رأيت إنسانا تقاد الجنائب بين يديه"1.