تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

القول في نظم الكلام ومكان النحو منه — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٧١ من ٦٧٠.

القول في نظم الكلام ومكان النحو منه

ج ١ · ص ١٧٢

فصل 1: القول على فروق في الخبر

الخبر الذي هو جزء من الجملة والخبر الذي ليس بجزء منها:

أول2 ما ينبغي أن يعلم منه أنه ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه3، وخبر ليس بجزء من الجملة، ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له. فالأول خبر المبتدأ، كمنطلق في قولك: "زيد منطلق"، والفعل كقولك: "خرج زيد"، فكل واحد من هذين جزء من الجملة، وهو الأصل في الفائدة والثاني هو الحال: كقولك: "جاءني زيد راكبا"، وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة، من حيث إنك تثبت بها المعنى لذي الحال، كما تثبت بخبر المبتدأ للمبتدأ، وبالفعل للفاعل4. ألا تراك قد أثبت "الركوب" في قولك: "جاءني زيد راكبا" لزيد؟ إلا أن الفرق أنك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، وهو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه، ولم تجرد إثباتك للركوب ولم تباشره، به، بل ابتدأت فأثبت المجيء، ثم وصلت به الركوب فالتبس به الإثبات على سبيل التبع للمجيء، وبشرط أن يكون في صلته. وأما في الخبر المطلق نحو: "زيد منطلق" و "خرج عمرو"، فإنك مثبت للمعنى إثباتا جردته له، وجعلته يباشره من غير واسطة، ومن غير أن تتسبب بغيره إليه، فأعرفه.

74

ج ١ · ص ١٧٣

وإذ قد عرفت هذا الفرق، فالذي يليه من فروق الخبر، وهو الفرق بين الإثبات إذا كان بالاسم، وبينه إذا كان بالفعل. وهو فرق لطيف تمس الحاجة في علم البلاغة إليه.

الفرق بين الخبر إذا كان بالاسم، وإذا كان بالفعل، وأمثلتها:

وبيانه، أن موضوع الاسم على أن يثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي تجدده شيئا بعد شيء.

وأما الفعل فموضوعه على أنه يقتضي تجدد المعنى المثبت به شيئا بعد شيء"1.

فإذا قلت: "زيد منطلق"، فقد أثبت الانطلاق فعلا له، من غير أن تجعله يتجدد ويحدث منه شيئا فشيئا، بل يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك: "زيد طويل"، و "عمرو قصير": فكما لا تقصد ههنا إلى أن تجعل الطول أو القصر يتجدد ويحدث، بل توجبهما وتثبتهما فقط، وتقضي بوجودهما على الإطلاق، كذلك لا تتعرض في قولك: "زيد منطلق" لأكثر من إثباته لزيد.

وأما الفعل، فإنه يقصد فيه إلى ذلك، فإذا قلت: "زيد ها هو ذا ينطلق"، فقد زعمت أن الانطلاق يقع منه جزءا فجزءا، وجعلته يزاوله ويزجيه.

وإن شئت أن تحس الفرق بينهما من حيث يلطف، فتأمل هذا البيت:

لا يألف الدرهم المضروب خرقتنا، ... لكن يمر عليها وهو منطلق2

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م