تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

47 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٢٢ من ٦٧٠.

47

ج ١ · ص ١٢٣

فصل- التقديم والتأخير في النفي:

وإذا قد عرفت هذه المسائل في "الاستفهام"، فهذه مسائل في "النفي".

إذا قلت: "ما فعلت"، كنت نفيت عنك فعلا لم يثبت أنه مفعول وإذا قلت: "ما أنا فعلت"، كنت نفيت عنك فعلا يثبت أنه مفعول1.

تفسير ذلك: أنك إذا قلت: "ما قلت هذا"، كنت نفيت أن تكون قد قلت ذاك، وكنت نوظرت في شيء لم يثبت أنه مقول؟

وإذا قلت: "ما أنا قلت هذا"، كنت نفيت أن تكون القائل له، وكانت المناظرة في شيء ثبت أنه مقول. وكذلك إذا قلت: "ما ضربت زيدا"، كنت نفيت عنك ضربه، ولم يجب أن يكون قد ضرب، بل يجوز أن يكون ضربه غيرك، وأن لا يكون قد ضرب أصلا. وإذا قلت: "ما أنا ضربت زيدا"، لم تقله إلا وزيد مضروب، وكان القصد أن تنفي أن تكون أنت الضارب.

ومن أجل ذلك صلح في الوجه الأول أن يكون المنفي عاما كقولك: "ما قلت شعرا قط"، و "ما أكلت اليوم شيئا" و "ما أنا قلت شعرا قط", "ما أنا أكلت اليوم شيئا" و "ما أنا رأيت أحدا من الناس"، وذلك أنه يقتضي المحال، وهو أن يكون ههنا إنسان قد قال كل شعر في الدنيا، وأكل كل شيء يؤكل، ورأى كل أحد من الناس، فنفيت أن تكونه.

ج ١ · ص ١٢٤

ومما هو مثال بين في أن تقديم الاسم يقتضي وجود الفعل قوله:

وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا1

المعنى، كما لا يخفي، على أن السقم ثابت موجود، وليس القصد بالنفي إليه، ولكن إلى أن يكون هو الجالب له، ويكون قد جره إلى نفسه.

ومثله في الوضوح قوله:

وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله2

"الشعر" مقول على القطع، والنفي لأن يكون هو وحده القائل له.

وههنا أمران يرتفع معهما الشك في وجوب هذا الفرق، ويصير العلم به كالضرورة.

أحدهما: أنه يصح لك أن تقول: "ما قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس"، و "ما ضربت زيدا، ولا ضربه أحد سواي"، ولا يصح ذلك في الوجه الآخر. فلو قلت: "نما أنا قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس" و "ما أنا ضربت زيدا، ولا ضربه أحد سواي"، كان خلفا من القول3، وكان من التناقض بمنزلة أن تقول: "لست الضارب زيدا أمس"، فتثبت أنه قد ضرب،

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م