37
ج ١ · ص ١٠٦
يحتمل كل واحد منهما أن يكون مبتدأ ويكون الآخر خبرا له، فتقدم تارة هذا على ذاك، وأخرى ذاك على هذا. ومثاله ما تصنعه بزيد والمنطلق، حيث تقول مرة: "زيد المنطلق"، وأخرى، "المنطلق زيد"، فأنت في هذا لم تقدم "المنطلق" على أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير، فيكون خبر مبتدأ كما كان، بل على أن تنقله عن كونه خبرا إلى كونه مبتدأ، وكذلك لم تؤخر "زيدا" على أن يكون مبتدأ كما كان، بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبرا.
وأظهر من هذا قولنا: "ضربت زيدا" و "زيد ضربته"، لم تقدم "زيدا" على أن يكون مفعولا منصوبا بالفعل كما كان، ولكن على أن ترفعه بالابتداء، وتشغل الفعل بضميره، وتجعله في موضع الخبر له. وإذا قد عرفت هذا التقسيم، فإني أتبعه بجملة من الشرح.
التقديم للعناية والاهتمام:
واعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل، غير العناية والاهتمام. قال صاحب الكتاب، وهو يذكر الفاعل والمفعول1: "كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم" ولم يذكر في ذلك مثالا.
وقال النحويون: إن معنى ذلك أنه قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع بإنسان بعينه، ولا يبالون من أوقعه، كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي يخرج فيعيث ويفسد، ويكثر به الأذى، أنهم يريدون قتله،
38
ج ١ · ص ١٠٧
ولا يبالون من كان القتل منه، ولا يعنيهم منه شيء. فإذا قتل، وأراد مريد الإخبار بذلك، فإنه يقدم ذكر الخارجي فيقول: "قتل الخارجي زيد"، ولا يقول: "قتل زيد الخارجي"، لأنه يعلم أن ليس للناس في أن يعلموا أن القاتل له "زيد" جدوى وفائدة، فيعنيهم ذكره ويهمهم ويتصل بمسرتهم ويعلم من حالهم أن الذي هم متوقعون له ومتطلعون إليه متى يكون، وقوع القتل بالخارجي المفسد، وأنهم قد كفوا شره وتخلصوا منه.
ثم قالوا: فإن كان رجل ليس له بأس ولا يقدر فيه أنه يقتل، فقتل رجلا، وأراد المخبر أن يخبر بذلك، فإن يقدم ذكر القاتل فيقول: "قتل زيد رجلا"، ذاك لأن الذي يعنيه ويعني الناس من شأن هذا القتل، طرافته وموضع الندرة فيه، وبعده كان من الظن. ومعلوم أنه لم يكن نادرا وبعيدا من حيث كان واقعا بالذي وقع به، ولكن من حيث كان واقعا من الذي وقع منه.
فهذا جيد بالغ، إلا أن الشأن في أنه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدم في موضع من الكلام مثل هذا المعنى، ويفسر وجه العناية فيه هذا التفسير.
لا يكفي أن يقال قدم للعناية:
وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفي أن يقال: "إنه قدم للعناية، ولأن ذكره أهم"، من غير أن يذكر، من أين كانت تلك العناية؟ وبم كان أهم؟ 1 ولتخيلهم ذلك، قد صغر أمر "التقديم والتأخير" في نفوسهم، وهونوا الخطب فيه، حتى إنك لترى أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه ضربا من التكلف. ولم تر ظنا أزرى على صاحبه من هذا وشبهه2.