تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

35 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٠٢ من ٦٧٠.

35

ج ١ · ص ١٠٣

ما يقال في تتابع الإضافات:

ومن شأن هذا الضرب أن يدخله الاستكراه، قال الصاحب: "إياك والإضافات المتداخلة1، فإن ذلك لا يحسن"، وذكر أنه يستعمل في الهجاء كقول القائل:

يا علي بن حمزة بن عمارة ... أنت والله ثلجة في خياره2

ولا شبهة فيثقل ذلك في الأكثر، ولكنه إذا سلم من الاستكراه لطف وملح.

ومما حسن فيه قول ابن المعتز أيضا؟

وظلت تدير الراح أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح3

ومما جاء منه حسنا جميلا قول الخالدي في صفة غلام له:

ويعرف الشعر مثل معرفتي ... وهو على أن يزيد مجتهد

وصيرفي القريض، وزان دينار الم ... عاني الدقاق، منتقد4

ومنه قول أبي تمام:

خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب5

ومما أكثر الحسن فيه بسبب النظم، قول المتنبى:

36

ج ١ · ص ١٠٤

وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا1

الاستعارة في أصلها مبتذلة معروفة، فإنك ترى العامي يقول للرجل يكثر إحسانه إليه وبره له، حتى يألفه ويختار المقام عنده: "قد قيدني بكثرة إحسانه إلي، وجميل فعله معي، حتى صارت نفسي لا تطاوعني على الخروج من عنده"، وإنما كان ما ترى من الحسن، بالمسلك الذي سلك في النظم والتأليف.

37

ج ١ · ص ١٠٥

فصل 1: "القول في التقديم والتأخير"

هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لا يزال يفتر لك عن بديعة، ويفضي بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه، ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك، أن قدم فيه شيء، وحول اللفظ عن مكان إلى مكان.

واعلم أن تقديم الشيء على وجهين2:

تقديم يقال إنه على نية التأخير، وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه، وفي جنسه الذي كان فيه، كخبر المبتدأ إذا قدمته على المبتدأ، والمفعول إذا قدمته على الفاعل كقولك: "منطلق زيد" و "ضرب عمرا زيد"، معلوم أن "منطلق" و "عمرا" لم يخرجا بالتقديم عما كانا عليه، من كون هذا خبر مبتدأ ومرفوعا بذلك، وكون ذلك مفعولا ومنصوبا من أجله كما يكون إذا أخرت.

وتقديم لا على نية التأخير، ولكن على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم، وتجعل له بابا غير بابه3، وإعرابا غير إعرابه، وذلك أن تجيء إلى اسمين

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م