تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

21 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٦٩ من ٦٧٠.

21

ج ١ · ص ٧٠

إعلم أن سبيلك أولا أن تعلم أن ليست المزية التي تثبتها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة التي تدعى لها1 في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم إليها بخبره، ولكنها في طريق إثباته لها وتقريره إياها.

تفسير هذا: أن ليس المعنى إذا قلنا: "إن الكناية أبلغ من التصريح"، أنك لما كنيت عن المعنى زدت في ذاته، بل المعنى أنك زدت في إثباته، فجعلته أبلغ وآكد وأشد. فليست المزية في قولهم: "جم الرماد"، أنه دل على قرى أكثر، بل المعنى إنك أثبت له القرى الكثير من وجه هو أبلغ، وأوجبته إيجابا هو أشد، وادعيته دعوى أنت بها أنطق، وبصحتها أوثق.

وكذلك ليست المزية التي تراها لقولك: "رأيت أسدا" على قولك: رأيت رجلا لا يتميز عن الأسد في شجاعته وجرأته أنك قد أفدت بالأول زيادة في مساواته الأسد، بل أن أفدت تأكيدا وتشديدا وقوة في إثباتك له هذه المساواة، وفي تقريرك لها2. فليس تأثير الاستعارة إذن في ذات المعنى وحقيقته، بل في إيجابه والحكم به.

وهكذا قياس "التمثيل"، ترى المزية أبدا في ذلك تقع في طريق إثبات المعنى دون المعنى نفسه. فإذا سمعتهم يقولون: إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني نبلا وفضل ا، وتوجب لها شرفا، وأن تفخمها في نفوس السامعين، وترفع أقدارها عند المخاطبين، فإنهم لا يريدون الشجاعة والقرى وأشباه ذلك من معاني الكلم المفردة، وإنما يعنون إثبات معاني هذه الكلم لمن ثبت له ويخبر بها عنه.

ج ١ · ص ٧١

هذا ما ينبغي للعاقل أن يجعله على ذكر منه أبدا، وأن يعلم أنه ليس لنا إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة1 مع معاني الكلم المفردة شغل، ولا هي منا بسبيل، وإنما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب. وإذ قد عرفت مكان هذه المزية والمبالغة التي لا تزال تسمع بها، وأنها في الإثبات دون المثبت، فإن لها في كل واحد من هذه الأجناس سببا وعلة.

أما "الكناية"، فإن السبب في أن كان للإثبات بها مزية لا تكون للتصريح2، أن كل عاقل يعلم إذا رجع إلى نفسه، أن إثبات الصفة بإثبات دليلها، وإيجابها بما هو شاهد في وجودها، آكد وأبلغ في الدعوى من أن تجيء إليها فثبتها هكذا ساذجا غفلا. وذلك أنك لا تدعي شاهد الصفة ودليلها إلا والأمر ظاهر معروف، وبحيث لا يشك فيه، ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط.

وأما "الاستعارة"، فسبب ما ترى لها من المزية والفخامة3، أنك إذا قلت: "رأيت أسدا"، كنت قد تلطفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة، حتى جعلتها كالشيء الذي يجب له الثبوت والحصول، وكالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوده. وذلك أنه إذا كان أسدا، فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة، وكالمستحيل أو الممتنع أن يعرى عنها. وإذا صرحت بالتشبيه فقلت: "رأيت رجلا كالأسد"، كنت قد أثبتها إثبات.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م