تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

332 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٦١٤ من ٦٧٠.

332

ج ١ · ص ٦٢٥

بسم الله الرحمن الرحيم

فصل:

اعلم أن البلاء والداء العياء، أن ليس علم الفصاحة وتمييز بعض الكلام من بعض بالذي تستطيع أن تفهمه من شئت ومتى شئت، وأن لست تملك من أمرك شيئا حتى تظفر بمن له طبع إذا قدحته ورى2، وقلب إذا أريته رأى فأما وصاحبك من لا يرى ما تريه، ولا يهتدي للذي تهديه، فأنت معه كالنافخ في الحم من غير نار، وكالملتمس الشم من أخشم3, وكما لا تقيم الشعر في نفس من لا ذوق له، كذلك لا يفهم هذا الباب من لم يؤت الآلة التي بها يفهم إلا أنه إنما يكون البلاء إذا ظن العادم لها أنه قد أويتها، وأنه ممن يكمل للحكم ويصح منه القضاء، فجعل يخبط ويخلط، ويقول القول لو علم غبه لاستحي منه4.

وأما الذي يحس بالنقص في نفسه5، ويعلم أنه قد عدم علما قد أوتيه من سواه، فأنت منه في راحة، وهو رجل عاقل قد حماه عقله أن يعدو طوره6، وأن يتكلف ما ليس بأهل له.

ج ١ · ص ٦٢٦

وإذا كانت العلوم التي لها أصول معروفة، وقوانين مضبوطة، قد اشترك الناس في العلم بها، واتفقوا على أن البناء عليها والرد إليها، إذا أخطأ فيها المخطئ ثم أعجب برأيه لم تستطيع رده عن هواه، وصرفه عن الرأي الذي رأى، إلا بعد الجهد، وإلا بعد أن يكون حصيفا عاقلا ثبتا، إذا نبه انتبه، وإذا قيل: "إن عليك بقية من النظر"، وقف وأصغى، وخشي أن يكون قد غر، فاحتاط باستماع ما يقال له، وأنف من أن يلج من غير بينة، ويستطيل بغير حجة. وكان من هذا وصفه بعز ويقل: فكيف بأن ترد الناس عن رأيهم في أمر الفصاحة، وأصلك الذي تردهم إليه، وتعول ي محاجتهم عليه، استشهاد القرائح1، وسبر النفوس وفليها وما يعرض فيها من الأريحية عندما تسمع2 وهم لا يضعون أنفسهم موضع من يرى الرأي ويفي ويقضي، إلا وعندهم أنهم ممن صفت قريحته، وصح ذوقه، وتمت أداته.

فإذا قلت لهم: "إنكم أتيتم من أنفسكم، ومن أنكم لا تفطنون"، ردوا مثله عليك، وعابوك، ووقعوا فيك، وقالوا:

"لا، بل قرائحنا أصح، ونظرنا أصدق، وحسنا أذكى، وإنما الآفة فيكم، فإنكم جئتم فخيلتم إلى أنفسكم أمورا لا حاصل لها، وأوهمكم الهوى والميل أن توجبوا لأحد النظمين المتساويين فضلا عن الآخر، من غير ان يكون له ذلك الفضل"، فتبقى في أيدهم حسيرا لا تملك غير التعجب3.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م