317
ج ١ · ص ٦٠٣
وقول عبد الرحمن بن حسان:
لم تفتها شمس النهار بشيء ... غير أن الشباب ليس يدوم1
وقول البحتري:
عريقون في الإضال يوتنف الندى ... لناشئهم من حيث يوتنف العمر2
لا ينظر في هذا وأشباهه عارف إلا علم أنه لا يوجد في المعنى الذي يرى مثله، وأن الأمر قد بلغ غايته، وأن لم يبق للطالب مطلب.
وكذلك السبيل في المنثور من الكلام، فإنك تجد فيه متى شئت فصولا تعلم أن لن يستطاع في معانيها مثلهان فمما لا يخفى أنه كذلك قول أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضيوان علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: "قيمة كل امرئ ما يحسنه"، وقول الحسن رحمه الله عليه: "ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت". ولن تعدم ذلك إذا تأملت كلام البلغاء ونظرت في الرسائل.
ومن أخص شيء بأن يطلب ذلك فيه، الكتب المبتدأة الموضوعة في العلوم المستخرجة، فإنا نجد أربابها قد سبقوا في فصول منها إلى ضرب من اللفظ والنظم، أعيا من بعدهم أن يطلبوا مثله، أو يجيئوا بشبيه له، فجعلوا لا يزيدون على أن يحفظوا تلك الفصول على وجوهها، ويودوا ألفاظهم فيها على نظامها وكما هي3. وذلك ما كان مثل قول سيبويه في اول الكتاب:
318
ج ١ · ص ٦٠٤
"وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى وما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع"1.
لا نعلم أحدا أتى في معنى هذا الكلام بما يوازنه أو يدانيه، أو يقع قريبا منه، ولا يقع في الوهم أيضا أن ذلك يستطاع، أفلا ترى أنه إنما جاء في معناه قولهم" والفعل ينقسم بأقسام الزمان، ماض وحاضر ومستقبل"، وليس يخفى ضعف هذا في جنبه وقصوره عنه. ومثله قوله2:
"كأنهم يقدمون الذي باينه أهم لهم، وهم بشأنه أغنى، وإن كانا جميعا يهمانهم ويغنيانهم".
وإذا كان الأمر كذلك، لم يمتنع أن يكون سبيل لفظ القرآن ونظمه هذا السبيل3، وأن يكون عجزهم عن أن يأتوا بمثله في طريق العجز عما ذكرنا ومثلنا، فهذا جملة ما يجئ لهم في هذا الضرب من التعلق قد استوفيته. وإذ قد عرفته، فاسمع الجواب عنه، فإنه يسقطه عنك دفعة، ويحسمه عنك حسما4.