تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

277 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٥٢٣ من ٦٧٠.

277

ج ١ · ص ٥٢٥

عنك السأم، وأريحية يخف معها عليك تعب الفكر وكد النظر، والله تعالى ولي توفيقك وتوفيقنا بمنه وفضله. ونبدأ فنقول:

فإذا ثبت الآن أن لا شك ولا مرية في أن ليس "النظم" شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن، إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوه وفروقه، ولم يعلم أنها معدنه ومعانه1، وموضعه ومكانه، وأنه لا مستنبط له سواها، وأن لا وجه لطلبه فيما عداها2، غار نفسه بالكاذب من الطمع، ومسلم لها إلى الخدع، وأنه إن أبى أن يكون فيها، كان قد أبى أن يكون القرآن معجزا بنظمه، ولزمه أن يثبت شيئا آخر يكون معجزابه، وأن يلحق بأصحاب "الصرفة" فيدفع الإعجاز من أصله3، وهذا تقرير لا يدفعه إلا معاند يعد الرجوع عن باطل قد اعتقده عجزا، والثبات عليه من بعد لزوم الحجة جلدا4، ومن وضعه نفسه في هذه المنزلة، كان قد باعدها من الإنسانية. ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق.

"الخبر"، أصل في معاني الكلام، في النفي والإثبات:

وهذه أصول يحتاج إلى معرفتها قبل الذي عمدنا له.

اعلم أن معاني الكلام كلها معان لا تتصور إلا فيما بين شيئين، والأصل

ج ١ · ص ٥٢٦

والأول هو "الخبر". وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى فيه، عرفته في الجميع. ومن الثابت في العقول والقائم في النفوس، أنه لا يكون خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، لأنه، ينقسم إلى "إثبات" و "نفي". و "الإثبات"، يقتضي مثبتا ومثبتاله، و "النفي" يقتضي منفيا ومنفيا عنه. فلو حاولت أن تتصور إثبات معنى أو نفيه من دون أن يكون هناك مثبت له ومنفي عنه، حاولت ما لا يصح في عقل، ولا يقع في وهم. ومن أجل ذلك امتنع أنت يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء مظهر او مقدر1، وكان لفظك به، إذا أنت لم ترد ذلك، وصوتا توصته سواء2.

وإن أردت أن تستحكم معرفة ذلك في نفسك، فانظرإليك إذا قبل لك: "ما فعل زيد؟ " فقلت: "خرج"، هل يتصور أن يقع في خلدك من "خرج" معنى من دون أن ينوي فيه ضمير "زيد"؟ وهل تكون، إن أنت زعمت أنك لم تنو ذلك، إلا مخرجا نفسك إلى الهذيان؟

وكذلك فانظر إذا قيل لك: "كيف زيد؟ "، فقلت: "صالح"، هل يكون لقولك "صالح" أثر في نفسك، من دون أن تريد "هو صالح"؟ أم هل يعقل السامع منه شيئا إن هو لم يعتقد ذلك؟ فإنه مما لا يبقى معه لعاقل شك أن "الخبر" معنى لا يتصور إلا بين شيئين، يكون أحدهما مثبتا، والآخر مثبتا له، أو يكون أحدهما منفيا، والآخر منفيا عنه وأنه لا يتصور مثبت من غير مثبت له، ومنفي من دون منفي عنه.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م