273
ج ١ · ص ٥٢٠
وصنفوا فيها الكتب، ووكلوا بها الهم، وصرفوا إليها الخواطر، حتى صار الكلام فيها نوعا من العلم مفردا، وصناعة على حدة، ولم يتعاط أحد من الناس القول في الإعجاز إلا ذكرها وجعلها العمد والأركان فيما يوجب الفضل والمزية، وخصوصا "الاستعارة" و "الإيجاز"1، فإنك تراهم يجعلونهما عنوان ما يذكرون، وأول ما يوردون.
وتراهم يذكرون من "الاستعارة" قوله عز وجل: {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4]، وقوله: {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93]، وقوله عز وجل: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} [يس: 37]، وقوله عز وجل: {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: 94]، وقوله: {فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا} [يوسف: 80]، وقوله تعالى: {حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4]، وقوله: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16].
ومن "الإيجاز" قوله تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال: 58]، وقوله تعالى: {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14]، وقوله {فشرد بهم من خلفهم} [الأنفال: 57]، وتراهم على لسان واحد في أن "المجاز" و "الإيجاز" من الأركان في أمر الإعجاز.
وإذا كان الأمر كذلك عند كافة العلماء الذين تكلموا في المزيا التي للقرآن، فينبغي أن ينظر في أمر الذي يسلم نفسه إلى الغرور، فيزعم أن الوصوف الذي كان له القرآن معجزا، هو سلامة حروفه مما يثقل على اللسان،
274
ج ١ · ص ٥٢١
أيصح له القول بذلك إلا من بعد أن يدعي الغلط على العقلاء قاطبة فيما قالوه، والخطأ فيما أجمعوا عليه؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يصح له ذلك إلا بأن يقتحم هذه الجهالة، اللهم إلا أن يخرج إلى الضحكة فيزعم مثلا أن من شأن "الاستعارة" و "الإيجاز" إذا دخلا الكلام، أن يحدث بهما في حروفه خفة، وتتجدد فيها سهولة، ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق.
واعلم أنا لا نأتي أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان داخلا فيما يوجب الفضيلة، وأن تكون مما يؤكد أمر الإعجاز، وإنما الذي ننكره ونفيل رأي من يذهب إليه1، أن يجعله معجزا به وحده، ويجعله الأصل والعمدة، فيخرج إلى ما ذكرنا من الشناعات.
بيان آخر في شأن "اللفظ"، وفساد القول به:
ثم إن العجب كل العجب ممن يجعل كل الفضيلة في شيء هو إذا انفرد لم يجب به فضل البتة، ولم يدخل في اعتداد بحال. وذاك أنه لا يخفى على عاقل أنه لا يكون بسهولة الألفاظ وسلامتها مما يثقل على اللسان، اعتداد، حتى يكون قد ألف منهنا كلام، ثم كان ذلك الكلام صحيحا في نظمه والغرض الذي أريد به، وأنه لو عمد عامد إلى ألفاظ فجمعها من غير أن يراعي فيها معنى، ويؤلف منها كلاما، لم تر عاقلا يعتد السهولة فيها فضيلة، لأن الألفاظ لا تراد لأنفسها، وإنما تراد لتجعل أدلة على المعاني. فإذا عدمت الذي له تراد، أو اختل أمرها فيه، لم يعتد بالوصاف التي تكون في أنفسها عليها، وكانت السهولة وغير السهولة فيها واحدا.