272
ج ١ · ص ٥١٨
"تميم" لحزون جبال الشعر، لأن تسلم ألفاظه من حروف تثقل على اللسان ولا كان تقويم "عدى" لشعره وتشبيهه نظره فيه بنظر المثقف في كعوب قناته لذلك وأنه محال أن يكون له جعل "بشار" نور العين قد غاض فصار إلى قلبه1، وأن يكون الؤلؤ الذي كان لا ينام عن طلبه وأن ليس هو صوب العقول الذي إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب وأن ليس هو الدر والمرجان مؤلفا بالشذر في العقد ولا الذي له كان "البحتري" مقدرا "تقدير داود في السرد". كيف؟ وهذه كلها عبارات عما يدرك بالعقل ويتسنبط بالفكر، وليس الفكر الطريق إلى تمييز ما يثقل على اللسان مما لا يثقل، إنما الطريق إلى ذلك الحس.
ولولا أن البلوى قد عظمت بهذا الرأي الفاسد، وأن الذين قد استهلكوا قفيه قد صاروا من فرط شعفهم به يصغون إلى كل شيء سمعونه، حتى لو أنا إنسانا قال: "باقلي حار"، يريهم أن يريد نصرة مذهبهم، لأقبلوا بأوجههم عليه وألقوا أسماعهم إليه2 لكان اطراحه وترك الاشتغال به أصوب، لأنه قول لا يتصل منه جانب بالصواب البتة. ذاك لأنه أول شيء يؤدي إلى أن يكون القرآن معجزا، لا بما به كان قرآنا وكلام الله عز وجل، لأنه على كل حال إنما كان قرآنا وكلام الله عز وجل بالنظم الذي هو عليه. ومعلوم أن ليس "النظم" من مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان في شيء.
273
ج ١ · ص ٥١٩
ثم إنه اتفاق من العقلاء أن الوصف الذي به تناهى القرآن إلى حد عجز عنه المخلوقون، هو الفصاحة والبلاغة. وما رأينا عاقلا جعل القرآن فصيحا أو بليغا، بأن لا يكون في حروفه ما يثقل على اللسان، لأنه لو كان يصح ذلك، لكان يجب أن يكون السوقي الساقط من الكلام، والسفساف الردئ من الشعر، فصيحا إذا خفت حروفه.
وأعجب من هذا، أنه يلزم منه أن لو عمد عامد إلى حركات الإعراب فجعل مكان كل ضمة وكسرة فتحة فقال: "الحمد لله"، بفتح الدال واللام والهاء، وجرى على هذا في القرآن كله، أن لا يسلبه ذلك الوصف الذي هو معجز به، بل كان ينبغي أن يزيد فيه، لأن الفتحة كما لا يخفى أخف من كل واحدة من الضمة والكسرة.
فإن قال: إن ذلك يحيل المعنى.
قيل له: إذا كان المعنى والعلة في كونه معجزا خفة اللفظ وسهولته، فينبغي أن يكون مع إحالة المعنى معجزا، لأنه إذا كان معجزا لوصف يخص لفظه دون معناه، كان محالا أن يخرج عن كونه معجزا، مع قيام ذلك الوصف فيه.
بيان أن قولهم في اللفظ، يسقط "الكناية" و"الاستعارة" و"التمثيل" و"المجاز" و"الإيجاز":
ودع هذا، وهب أنه لا يلزم شيء منه، فإنه يكفي في الدلالة على سقوطه وقلة تمييز القائل به، أنه يقتضي إسقاط "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل" و "المجاز" و "الإيجاز" جملة، واطراح جميعها رأسا، مع أنها الأقطاب التي تدور البلاغة عليها، والأعضاد التي تستند الفصاحة إليها، والطلبة التي يتنازعها المحسنون، والرهان الذي تجرب فيه الجياد، والنضال الذي تعرف به الأيدي الشداد، وهي التي نوه بذكرها البلغاء، ورفع من أقدارها العلماء،