تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

262 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٤٩٨ من ٦٧٠.

262

ج ١ · ص ٥٠٠

أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيد تقر بأنها مولاته

ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصف واحتجت له فعلاته

وتحدث الأقوام أن صنائعا ... غرست لدي فحنظلت نخلاته1

مع قول أبي تمام:

أسربل هجر القول من لو هجوته ... إذن لهجانى عنه معروفه عندي

وقول النابغة:

إذا ما غزا بالجيش حلق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب

جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الصفان أول غالب2

مع قول أبي نواس:

وإذا مج القنا علقا ... وتراءى الموت في صوره

راح في ثنيي مفاضته ... أسد يدمى شبا ظفره

تتأيى الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره3

المقصود البيت الأخير.

263

ج ١ · ص ٥٠١

وحكى المرزباني قال: "حدثني عمرو الوراق قال: رأيت أبا نواس ينشد قصيدته التي أولها:

أيها المنتاب عن عفره1

فسحدته، فلما بلغ إلى قوله:

تتأيى الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره

قلت له: ما تركت للنابغة شيئا حيث يقول: "إذا ما غدا بالجيش"، البيتين، فقال: اسكت، فلئن كان سبق فما أسأت الاتباع".

وهذا الكلام من أبينواس دليل بين في أن المعنى ينقل من صورة إلى صورة. ذاك لأنه لو كان لا يكون قد صنع بالمعنى شيئا، لكان قوله: "فما أسأت الاتباع" محالا، لأنه على كل حال لم يتبعه في اللفظ. ثم إن الأمر ظاهر لمن نظر في أنه قد نقل المعنى عن صورته التي هو عليها في شعر النابغة إلى صورة أخرى. وذلك أن ههنا معنيين:

أحدهما: أصل، وهو: علم الطير بأن الممدوح إذا غزا عدوا كان الظفر له، وكان هو الغالب.

والآخر فرع، وهو: طمع الطير في أن تتسع عليها المطاعم من لحوم القتلى.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م