تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

233 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٤٤٨ من ٦٧٠.

233

ج ١ · ص ٤٤٩

و "العين" من شبه النرجس1 شيئا، فلا تحسبن أن سبب الحسن الذي تراه فيه، والأربحية التي تجدها عنده، أنه أفاذك ذلك فحسب. وذاك أنك تستطيع أن تجيء به صريحا فتقول: "فأسبلت دمعا كأنه اللؤلؤ بعينه، من عين كأنها النرجس حقيقة"، ثم لا ترى من ذلك الحسن شيئا. ولكن اعلم أن سبب أن راقك، وأدخل الأريحية عليك، أنه أفادك في إثبات شدة الشبة مزية، وأوجدك فيه خاصة قد غرز في طبع الإنسان أن يرتاح لها2، ويجد في نفسه هزة عندها، وهكذا حكم نظائره كقول أبي نواس:

تبكي فتذري الدر عن نرجس ... وتلطم الورد بعناب3

وقول المتبني:

بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت عغزالا4

إذا ظهر التشبيه في "الاستعارة" فبحت:

واعلم أن من شأن "الاستعارة" أنك كلما زدت إرادتك التشبيه إخفاء، ازدادت الاستعارة حسنا، حتى إنك تراها أغرب ما تكون إذا كان الكلام قد ألف تأليفا إن أردت أن تفصح فيه بالتشبيه، خرجت إلى شيء تعافه النفس ويلفظه المسع، ومثال ذلك قول ابن المعتز:

234

ج ١ · ص ٤٥٠

أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنابا1

ألا ترى أنك لو حملت نفسك على أن تظهر التشبيه وتفصح به، احتجت إلى أن تقول: "أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان لطالبي الحسن، شبيه العناب من أطرافها المخضوبة"، وهذا ما لا تخفى غثاثته. من أجل ذلك كان موقع "العناب" في هذا البيت أحسن منه في قوله:

وعضت على العناب بالبرد

وذاك لأن إظهار التشبيه فيه لا يقبح هذا القبح المفرد، لأنك لو قلت: "وعضت على أطراف أصابع كالعناب بثغر كالبرد"، كان شيئا يتكلم بمثله وإن كان مرذولا. وهذا موضع لا يتبين سره إلا من كان مهلب الطبع حاد القريحة2. وفي الاستعارة علم كثير، ولطائف معان، ودقائق فروق، وسنقول فيها إن شاء الله في موضع آخر.

القسم الثاني: وهو الذي تكون فصاحته في النظم

واعلم أنا حين أخذنا في الجواب عن قولهم: "إنه لو كان الكلام يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه، لكان ينبغي أن يكون تفسيره فصيحا مثله"3، قلنا: "أن الكلام الفصيح ينقسم قسمين، قسم تعزى المزية فيه إلى اللفظ، وقسم تعزى فيه إلى النظم"4، وقد ذكرنا في

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م