229
ج ١ · ص ٤٤٠
وتأخيرها في رجل يدعى إلى البيعة، وإن المعنى على أنه أراد أن يقول: إن مثلك في ترددك بين أن تبايع، وبين أن تمتنع، مثل رجل قائم ليذهب في أمر، فجعلت نفسه تريه تارة أن الصواب أن يذهب وأخرى أنه في أن لا يذهب فجعل يقدم رجلا تارة، ويؤخر أخرى.
وهكذا كل كلام كان ضرب مثل، لا يخفى على من له أدنى تمييز أن الأغراض التي تكون للناس في ذلك لا تعرف من الألفاظ، ولكن تكون المعاني الحاصلة من مجموع الكلام أدلة على الأغراض والمقاصد. ولو كان الذي يكون غرض المتكلم يعلم من اللفظ، ما كان لقولهم: "ضرب كذا مثلا لكذا"، معنى، فما اللفظ "يضرب مثلا" ولكن المعنى. فإذا قلنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم وخضراء الدمن" 1، إنه ضرب عليه السلام "خضراء الدمن" مثلا للمرأة الحسناء في منبت السوء، لم يكن المعنى أنه صلى الله عليه وسلم ضرب لفظ "خضراء الدمن" مثلا. لها. هذا ما لا يظنه من به مس، فضلا عن العاقل.
فقد زال الشك وارتفع في أن طريق العلم بما يراد إثباته والخبر به في هذه الأجناس الثلاثة، التي هي "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل" المعقول دون اللفظ2، من حيث يكون القصد بالإثبات فيها إلى معنى ليس
ج ١ · ص ٤٤١
هو معنى اللفظ، ولكنه معنى يستدل بمعنى اللفظ عليه، ويستنبط منه، كنحو ما ترى من أن القصد في قولهم: "هو كثير رماد القدر"، إلى كثرة القرى، وأنت لا تعرف ذلك من هذا اللفظ الذي تسمعه، ولكنك تعرفه بأن تستبدل عليه بمعناه، على ما مضى الشرح فيه1.
الفصاحة وصف للكلام بمعناه لا بلفظه مجردا:
وإذ قد عرفت ذلك، فينبغي أن يقال لهؤلاء الذين اعترضوا علينا في قولنا: "إن الفصاحة وصف يجب للكلام من أجل مزية تكون في معناه، وأنها لا تكون وصفا له من حيث اللفظ مجردا عن المعنى"، واحتجوا بأن قالوا: "إنه لو كان الكلام إذا وصف بأنه فصيح، كان ذلك من أجل مزية تكون في معناه، لوجب أن يكون تفسيره فصيحا مثله"2 أخبرونا عنكم3، أترون أن من شأن هذه الأجناس، إذا كانت في الكلام، أن تكون له بها مزية توجب له الفصاحة، أم لا ترون ذلك؟
فإن قالوا: لا ترى ذلك لم يكلموا.
وإن قالوا: نرى للكلام، إذا كانت فيه، مزية توجب له الفصاحة، قيل لهم: فأخبرونا عن تلك المزية، أتكون في اللفظ أم في المعنى؟
فإن قالوا: في اللفظ دخلوا في الجهالة، من حيث يلزم من ذلك أن تكون "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل" أوصافا للفظ، لأنه لا يتصور أن