تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

218 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٤٢٠ من ٦٧٠.

218

ج ١ · ص ٤٢١

أخرجهم الإعجاب به إلى الضحك والتعجب ممن يرى أن إلى الكلام عليه سبيلا، وأنه يستطيع أن يقيم على بطلان ما قالوه دليلا.

والجواب، وبالله التوفيق، أن يقال للمحتج بذلك: قولك إنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين، يحتمل أمرين:

أحدهما: أن تريد باللفظين كلمتين معناهما واحد في اللغة، مثل "الليث" و "الأسد"، ومثل "شحط" و "بعد"، وأشباه ذلك مما وضع اللفظان فيه لمعنى.

والثاني: أن تريد كلامين.

فإن أردت الأول خرجت من المسألة، لأن كلامنا نحن في فصاحة تحدث من بعد التأليف، دون الفصاحة التي توصف بها اللفظة مفردة، ومن غير أن يعتبر حالها مع غيرها.

وإن أردت الثاني، ولابد لك من أن تريده، فإن ههنا أصلا، من عرفه عرف سقوط هذا الاعتراض. وهو أن يعلم أن سبيل المعاني سبيل أشكال الحلي، كالخاتم والشنف والسوار، فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلا ساذجا، لم يعمل صانعه فيه شيئا أكثر من أن أتى بما يقع عليه اسم الخاتم إن كان خاتما1، والشنف إن كان شنفا، وأن يكون مصنوعا بديعا قد أغرب صانعه فيه. كذلك سبيل المعاني، أن ترى الواحد منها غفلا ساذجا عاميا موجودا في كلام الناس كلهم، ثم تراه نفسه وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة وإحداث الصور في المعاني، فيصنع فيه ما يصنع الصنع الحاذق،

ج ١ · ص ٤٢٢

حتى يغرب في الصنعة، ويدق في العمل، ويبدع في الصياغة. وشواهد ذلك حاضرة لك كيف شئت، وأمثلته نصب عينك من أين نظرت.

تنظر إلى قول الناس: "الطبع لا يتغير"، و "لست تستطيع أن تخرج الإنسان عما جبل عليه"، فترى معنى غفلا عاميا معروفا في كل جيل وأمه، ثم تنظر إليه في قول المتنبي:

يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل1

فتجده قد خرج في أحسن صورة، وتراه قد تحول جوهرة بعد أن كان خرزة، وصار أعجب شيء بعد أن لم يكن شيئا.

رد شبهة المعتزلة هذه وفساد قولهم، وهو فصل جيد:

وإذ قد عرفت ذلك، فإن العقلاء إلى هذا قصدوا حين قالوا: "إنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما فصيحا والآخر غير فصيح"، كأنهم قالوا: إنه يصح أن تكون ههنا عبارتان أصل المعنى فيهما واحد، ثم يكون إحداهما في تحسين ذلك المعنى وتزينه، وإحداث خصوصية فيه تأثير لا يكون للأخرى.

واعلم أن المخالف لا يخلو من أن ينكر أن يكون للمعنى إحدى العبارتين حسن ومزية لا يكونان له في الأخرى، وأن تحدث فيه على الجملة صورة لم تكن2 أو يعرف ذلك.

فإن أنكر لم يكلم، لأنه يؤديه إلى أن لا يجعل للمعنى في قوله:

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م