217
ج ١ · ص ٤٢٠
فصل: آفة وشبهة في مسألة التعبير عن المعنى بلفظين أحدها فصيح، والآخر غير فصيح
قد أردت أن أعيد القول في شيء هو أصل الفساد ومعظم الآفة، والذيصار حجازا بين القوم وبين التأمل، وأخذ بهم عن طريق النظر، وحال بينهم وبين أن يصغوا إلى ما يقال لهم، وأن يفتحوا للذي تبين أعينهم، وذلك قولهم: "إن العقلاء قد اتفقوا على أنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما فصيحا، والآخر غير فصيح. وذلك، قالوا، يقتضي أن يكون للفظ نصيب في المزية، لأنها لو كانت مقصورة على المعنى، لكان محالا أن يجعل لأحد اللفظين فضل على الآخر، مع أن المعبر عنه واحد".
وهذا شيء تراهم يعجبون به ويكثروت تردداه، مع أنهم يؤكدونه فيقولون: "لولا أن الأمر كذلك، لكان ينبغي أن لا يكون للبيت من الشعر فضل على تفسير المفسر له، لأنه إن كان اللفظ إنما يشرف من أجل منعناه، فإن لفظ المفسر يأتي على المعنى ويؤديه لا محالة، إذ لو كان لا يؤديه، لكان لا يكون تفسيرا له".
ثم يقولون: "وإذا لزم ذلك في تفسير البيت من الشعر، لزم مثله في الآية من القرآن" وهم إذا انتهوا في الحجاج إلى هذا الموضع، ظنوا أنهم قد أتوا بما لا يجوز أن يسمع عليهم معه كلام1، وأنه نقض ليس بعده إبراهيم، وربما
218
ج ١ · ص ٤٢١
أخرجهم الإعجاب به إلى الضحك والتعجب ممن يرى أن إلى الكلام عليه سبيلا، وأنه يستطيع أن يقيم على بطلان ما قالوه دليلا.
والجواب، وبالله التوفيق، أن يقال للمحتج بذلك: قولك إنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين، يحتمل أمرين:
أحدهما: أن تريد باللفظين كلمتين معناهما واحد في اللغة، مثل "الليث" و "الأسد"، ومثل "شحط" و "بعد"، وأشباه ذلك مما وضع اللفظان فيه لمعنى.
والثاني: أن تريد كلامين.
فإن أردت الأول خرجت من المسألة، لأن كلامنا نحن في فصاحة تحدث من بعد التأليف، دون الفصاحة التي توصف بها اللفظة مفردة، ومن غير أن يعتبر حالها مع غيرها.
وإن أردت الثاني، ولابد لك من أن تريده، فإن ههنا أصلا، من عرفه عرف سقوط هذا الاعتراض. وهو أن يعلم أن سبيل المعاني سبيل أشكال الحلي، كالخاتم والشنف والسوار، فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلا ساذجا، لم يعمل صانعه فيه شيئا أكثر من أن أتى بما يقع عليه اسم الخاتم إن كان خاتما1، والشنف إن كان شنفا، وأن يكون مصنوعا بديعا قد أغرب صانعه فيه. كذلك سبيل المعاني، أن ترى الواحد منها غفلا ساذجا عاميا موجودا في كلام الناس كلهم، ثم تراه نفسه وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة وإحداث الصور في المعاني، فيصنع فيه ما يصنع الصنع الحاذق،