تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

192 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٣٧٩ من ٦٧٠.

192

ج ١ · ص ٣٨٠

هذا، ولا يمتنع أن يجعل المحذوف من الآية في موضع التمييز دون موضع الموصوف، فيجعل التقدير، "ولا تقولوا ثلاثة آلهة"، ثم يكون الحكم في الخبر على ما مضى، ويكون المعنى، والله أعلم، ولا تقولوا لنا ثلاثة آلهة، أو في الوجود ثلاثة آلهة"1.

فإن قلت: فلم صار لا يلزم على هذا التقدير ما لزم على قول من قدر: "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"؟

2 فذاك لأنا إذا جعلنا التقدير3: ولا تقولوا لنا، أو: في الوجود، آلهة ثلاثة، أو ثلاثة آلهة"، كنا قد نفينا الوجود على الآلهة، كما نفيناه في "لا إله إلا الله"، و {ما من إله إلا الله} [آل عمران: 62].

وإذا زعموا أن التقدير "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"، كانوا قد نفوا أن تكون عدة الآلهة ثلاثة، ولم ينفوا وجود الآلهة.

فإن قيل: فإنه يلزم على تقديرك الفساد من وجه آخر، وذاك أنه يجوز إذا قلت: "ليس لنا أمراء ثلاثة"، أن يكون المعنى: ليس لنا أمراء ثلاثة4، ولكن لنا أميران اثنان، وإذا كان كذلك: كان تقديرك وتقديرهم جميعا خطأ.

193

ج ١ · ص ٣٨١

قيل: إن ههنا أمرا قد أغفلته، وهو أن قولهم {أآلهتنا}، يوجب ثبوت آلهة، جل الله وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وقولنا: "ليس لنا آلهة ثلاثة"، لا يوجب ثبوت اثنين البتة.

فإن قلت: إن كان لا يوجبه، فإنه لا ينفيه.

قيل: ينفيه ما بعده من قوله تعالى: {إنما الله إله واحد} [النساء: 171].

فإن قيل: فإنه كما ينفي الإلهين، كذلك ينفي الآلهة. وإذا كان كذلك، وجب أن يكون تقديرهم صحيحا كتقديرك.

قيل: هو كما قلت ينفي الآلهة، ولكنهم إذا زعموا أن التقدير: "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"، وكان ذلك والعياذ بالله من الشرك يقتضي إثبات آلهة، كانوا قد دفعوا هذا النفي وخالفوه وأخرجوا إلى المناقضة. فإذا كان كذلك، كان محالا أن يكون للصحة سبيل إلى ما قالوا. وليس كذلك الحال فيما قدرناه، لأنا لم تقدر شيئا يقتضي إثبات إلهين، تعالى الله، حتى يكون حالنا حال من يدفع ما يوجبه هذا الكلام من نفيهما.

يبين لك ذلك: أنه يصح لنا أن نتبع ما قدرناه نفي الاثنين، ولا يصح لهم.

تفسير ذلك: أنه يصح أن تقول: "ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان"، لأن ذلك يجري مجرى أن تقول: "ليس لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان"، وهذا صحيح ولا يصح لهم أن يقولوا: "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ولا إلهان"1، لأن ذلك يجري

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م