تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

176 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٣٥٥ من ٦٧٠.

176

ج ١ · ص ٣٥٦

وصف لأولي الألباب بأنهم يتذكرون، ولم يكن فيه معنى نفي للتذكر عمن ليس منهم. ومحال أن يقع تعريض لشيء ليس له في الكلام ذكر1، ولا فيه دليل عليه. فالتعريض بمثل هذا أعني بأن تقول: "يتذكر أولو الألباب" بإسقاط "إنما"، يقع إذن إن وقع، بمدح إنسان بالتيقظ، وبأنه فعل ما فعل، وتنبه لما تنبه له، لعقله وحلسن تمييزه، كما يقال: "كذلك يفعل العاقل"، و "هكذا يفعل الكريم".

وهذا موعض فيه دقة وغموض، وهو مما لا يكاد يقع في نفسه أحد أنه ينبغي أن يتعرض سبببه، ويبحث عن حقيقة الأمر فيه.

ومما يجب لك أن تجعله على ذكر منك من معاني "إنما"، ما عرفتك أولا من أنها قد تدخل في الشيء على أن يخيل فيه المتكلم أنه معلوم، ويدعي أنه من الصحة بحيث لا يدفع دافع، كقوله:

إنما مصعب شهاب من الله2

ومن اللطيف في ذلك قول قتب بن حصن3:

ألا أيها الناهي فزارة بعد ما ... أجدت لغزو، إنما أنت حالم4

القول في الحذف: نتيجة

ج ١ · ص ٣٥٧

ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن اليهود: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11]، دخلت "إنما" لتدل على أنهم حين ادعوا لأنفهسم أنهم مصلحون، أظهروا أنهم يدعون من ذلك أمرا ظاهرا معلوما، ولذلك أكيد الأمر في تكذيبهم والرد عليهم، فجمع بين "ألا" الذي هو للتنبيه، وبين "إن" الذي هو للتأكيد، فقيل: {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} [البقرة: 12].

177

ج ١ · ص ٣٥٨

اعلم أنه لا يصحل تقدير الحكاية في "النظم والتتريب"، بل لن تعدو الحكاية الألفاظ وأجراس الحروف، وذلك أن الحاكي هو من يأتي بمثل ما أتى به المحكي عنه، ولابد من أن تكون حكايته فعلا له، وأن يكون بها عاملا عملا مثل عمل المحي عنه، نحو أن يصوغ إنسان خاتما فيبدع فيه صنعة، ويأتي في صناعته بخاصة تستعرب، فيعمد واحد آخر فيعل خاتما على تلك الصورة والهيئة، ويجيء بمثل صنعته فيه، ويؤديها كما هي، فيقال عند ذلك: "إنه قد حكى عمل فلان، وصنة فلان".

و "النظم والترتيب" في الكلام كما بينا، عمل يعمله مؤلف الكلام في معاني الكلام لا في ألفاظها، وهو بما يصنع في سبيل من يأخذ الأصباغ المختلفة فيتوخى فيها ترتيبا يحدث عنه ضروب من النقش والوشي. وإذا كان الأمر كذلك، فإنا إن تعدينا بالحكاية الألفاظ إلى النظم والترتيب، أدى ذلك إلى المحال، وهو أن يكون المنشد شعر أمرئ القيس، قد عمل في المعاني وترتيبها واستخراج النتائج والفوائد، مثل عمل امرئ القيس، وأن يكون حاله إذا أنشد قوله:

فقلت له: لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل1

حال الصائغ ينظر إلى صورة قد عملها صائغ من ذهب له أو فضة، فيجيء بمثلها من ذبه وفضته. وذلك يخرج بمرتكب، إن ارتكبه، إلى أن يكون

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م