تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

157 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٣٢٥ من ٦٧٠.

157

ج ١ · ص ٣٢٦

وأما جعلها إذا جمع بينها وبين "اللام" نحو: "إن عبد الله لقائم" للكلام مع المنكر، فجيد، لأنه إذا كان الكلام مع المنكر، كانت الحاجة إلى التأكيد أشد. وذلك أنك أحوج ما تكون إلى الزيادة في تثبيت خيرك، إذا كان هناك من يدفعه وينكر صحته، إلا أنه ينبغي أن يعلم أنه كما يكون للإنكار قد كان من السامع، فإنه يكون للإنكار يعلم أو يرى أن يكون من السامعين. وجلمة الأمر أنك لا تقول: "إنه لكذلك"، حتى تريد أن تضع كلامك وضع من يزغ فيه عن الإنكار1.

"إن" تدخل للدلالة على أن ظنك الذي ظننت مردود:

واعلم أنها قد تدخل للدلالة على أن الظن قد كان منك أيها المتكلم في الذي كان أنه لا يكون. وذلك قولك للشيء هو بمرأى من المخاطب ومسمع: "إنه كان من الأمر ما ترى، وكان مني إلى فلان إحسان ومعروف، ثم إنه جعل جزائي ما رأيت"، فتجعلك كأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت، وتبين الخطأ الذي توهمت. وعلى ذلك، والله أعلم، قوله تعالى حكاية عن أم مريم رضي الله عنهما: {قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت} [آل عمران: 36]، وكذلك قوله عز وجل حكاية عن نوح عليه السلام: {قال رب إن قومي كذبون} [الشعراء: 117]، وليس الذي يعرض بسبب هذا الحرف من الدقائق والأمور الخفية، بالشيء يدرك بالهوينا. ونحن نقتصر الآن على ما ذكرنا، ونأخذ في القول عليها إذا اتصلت بها "ما".

ج ١ · ص ٣٢٧

: فصل في "إنما" ومواقعها

فصل: في مسائل "إنما"

قول الفارسي في "إنما" في كتابه "الشيرازيات":

قال الشيخ أبو علي في "الشيرازيات"1: "يقول ناس من النحويين في نحو قوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} [الأعراف: 33]، إن المعنى: ما حرم ربي إلا الفواحش. قال: وأصبت ما يدل على صحته قولهم في هذا، وهو قول الفرزدق:

أنا الذائد الحامي الذمار، وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي2

فليس يخلو هذا الكلام من أن يكون موجبا أو منفيا. فلو كان المراد به الإيجاب لم يستقيم، ألا ترى أنك لا تقول: "يدافع أنا" و "لا يقاتل أنا"، وإنما تقول: "أدافع" و "أقاتل" إلا أن المعنى لما كان: "ما يدافع إلا أنا"، فصلت الضمير كما تفصله مع النفي إذا ألحقت معه "إلا"، حملا على المعنى، وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم} [البقرة: 173، سورة النحل: 115]، النصب في "الميتة" هو القراءة، ويجوز: "إنما حرم عليكم". قال أبو إسحاق: والذي اختاره أن تكون "ما" هي التي تمنع "إن" من العمل، ويكون المعنى: "ما حرم عليكم إلا الميتة"، لأن "إنما" تأتي إثباتا لما يذكر بعدها، ونفيا لما سواه، وقول/ الشاعر/.

وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي

المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا او مثلي". انتهى كلام أبي علي.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م