154
ج ١ · ص ٣٢٢
اسم "إن"، وما بعده معطوف عليه، وقوله: {إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} 1 جملة في موضع الخبر، ودخول "الفاء" فيها محال، لأن الخبر لا يعطف على المبتدأ، ومثله سواء: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} [الكهف: 30].
فإذن، إنما يكون الذي ذكرنا في الجملة من حديث اقتضاء "الفاء"، إذا كان مصدرها مصدر الكلام يصحح به ما قبله، ويحتج له، ويبين وجه الفائدة. فيه. ألا ترى أن الغرض من قوله:
إن ذاك النجاح في التبكير2
جله أن يبين المعنى في قوله لصاحبيه: "بكرا"، وأن يحتج لنفسه في الأمر بالتبكير، ويبين وجه الفائدة فيه؟
وكذلك الحكم في الآي التي تلوناها فقوله: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} 3، بيان للمعنى في قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم}، ولم أمروا بأن يتقوا وكذلك قوله: {إن صلاتك سكن لهم} 3، بيان للمعنى في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة، أي بالدعاء لهم. وهذا سبيل كل ما أنت ترى فيه الجملة يحتاج فيها إلى "الفاء"، فاعرف ذلك.
فأما الذي ذكر عن أبي العباس4، من جعله لها جواب
155
ج ١ · ص ٣٢٣
سائل إذا كانت وحدها، وجواب منكر إذا كان معها اللام، فالذي يدل على أن لها أصلا في الجواب، أنا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر إذا كانت جوابا للقسم، نحو: "والله إن زيدا منطلق" وامتنعوا من أن يقولوا: "والله زيد منطلق".
مجيء "إن" في الجواب عن سؤال سائل، وأمثلته:
ثم إنا إذا استقرينا الكلام وجدنا الأمر بينا في الكثير من مواقعها، أنه يقصد بها إلى الجواب كقوله تعالى: {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا، إنا مكنا له في الأرض} [الكهف: 83، 84]، وكقوله: عز وجل في أول السورة: {نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم} [الكهف: 13]، وكقوله تعالى: {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} [الشعراء: 216]، وقوله تعالى: {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله} [الأنعام: 56]، [سورة غافر: 66]، وقوله: {وقل إني أنا النذير المبين} [الحجر: 89]، وأشباه ذلك مما يعلم قبه أنه كلام أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا وناظروا فيه. وعلى ذلك قوله تعالى: {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} [الشعراء: 16]، وذاك أنه يعلم أن المعنى: فأتياه، فإذا قال لكما ما شأنكما؟ وما جاء بكما؟ وما تقولان؟ فقولا: إنا رسول رب العالمين. وكذا قوله: {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين} [الأعراف: 14]، هذا سبيله.
ومن البين في ذلك قوله تعالى في قصة السحرة: {قالوا إنا إلى ربنا منقلبون} [الأعراف: 125]، وذلك لأنه عيان أنه جواب فرعون عن قوله: {آمنتم به قبل أن آذن لكم} [الأعراف: 123]، فهذا هو وجه القول في نصرة هذه الحكاية.