148
ج ١ · ص ٣١٥
فأول ذلك وأعجبه ما قدمت لك ذكره في بيت بشار:
بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير1
وما أنشدته معه من قول بعض العرب:
فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء2
وذلك أنه هل شيء أبين في الفائدة، وأدل على أن ليس سواء دخولها وأن لا تدخل، أنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها وتأتلف معه وتتحد به، حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغا واحدا، وكأن أحدهما قد سبك في الآخر؟
هذه هي الصورة، حتى إذا جئت إلى "إن" فأسقطتها، رأيت الثاني منهما قد نبا عن الأول، وتجافى معناه عن معناه، ورأيته لا يتصل به ولا يكون منه بسبيل، حتى تجيء "بالفاء" فتقول: "بكرا صاحبي قبل الهجير، فذاك النجاح في التبكير"، و "غنها وهي لك الفداء، فغناء الإبل الحداء"، ثم لا ترى "الفاء" تعيد الجملتين إل ما كانتا عليه من الألفة، ولا ترد عليك الذي كنت تجد "بإن" من المعنى.
وهذا الضرب كثير في التنزيل جدا، من ذلك قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} [الحج: 1]، وقوله عز اسمه {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على
149
ج ١ · ص ٣١٦
ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان: 17]، وقوله سبحانه {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103]، ومن أبين ذلك قوله تعالى: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} [هود: 27/ المؤمنون: 27] وقد يتكرر في الآية الواحدة كقوله عز اسمه: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم} [يوسف: 53]، وهي على الجملة من الكثرة بحيث لا يدركها الإحصاء.
محاسن دخول "إن" على ضمير الشأن وأمثلته:
ومن خصائصها أنك ترى لضمير الأمر والشأن معها من الحسن واللطف ما لا تراه إذا هي لم تدخل عليه، بل تراه لا يصلح حيث صلح إلا بها، وذلك في مثل قوله تعالى: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} [يوسف: 9]، وقوله {أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم} [التوبة: 63]، وقوله: {أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب} [الأنعام: 54] وقوله: {إنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون: 117]، ومن ذلك قوله: {فإنها لا تعمى الأبصار} [بالحج: 46] وأجاز أبو الحسن فيها وجها آخر1 وهو أن يكون الضمير في "إنها" للأبصار، أضمرت قبل الذكر على شريطة التفسير. والحاجة في هذا الوجه أيضا إلى "أن" قائمة، كما كانت في الوجه الأول فإنه لا يقال: "هي لا تعمى الأبصار" كما لا يقال: "هو من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع".
فإن قلت: أو ليس قد جاء ضمير الأمر مبتدأ به معرى من العوامل في قوله تعالى: {قل هو الله أحد}؟