تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

1 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٢٩ من ٦٧٠.

1

ج ١ · ص ٣٠

قولك: "جاءني رجل ظريف" و "مررت بزيد الظريف"، هل ظننتم أن وراء ذلك علما، وأن ههنا صفة تخصص، وصفة توضح وتبين، وأن فائدة التخصيص غير فائدة التوضيح، كما أن فائدة الشياع غير فائدة الإبهام1، وأن من الصفة صفة لا يكون يها تخصيص ولا توضيح، ولكن يوتي بها مؤكدة كقولهم: "أمس الدابر" وكقوله تعالى: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة} [سورة الحاقة: 13]، وصفة يراد بها المدح والثناء2، كالصفات الجارية على اسم الله تعالى جده؟ وهل عرفتم الفرق بين الصفة والخبر، وبين كل واحد منهما وبين الحال، وهل عرفتم أن هذه الثلاثة تتفق في أن كافتها لثبوت المعنى للشيء، ثم تختلف في كيفية ذلك الثبوت؟

وهكذا ينبغي أن تعرض عليهم الأبواب كلها واحدا واحدا، ويسألوا عنها بابا بابا، ثم يقال لهم3: ليس إلا أحد أمرين.

إما أن تقتحموا التي لا يرضاها العاقل، فتنكروا أن يكون بكم حاجة في كتاب الله تعالى، وفي خبير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي معرفة الكلام جملة، إلى شيء من ذلك، وتزعموا أنكم إذا عرفتم مثلا أن الفاعل رفع، لم يبق عليكم في باب الفاعل شيء تحتاجون إلى معرفته4. وإذا نظرتم إلى قولنا: "زيد منطلق"، لم تحتاجوا من بعده إلى شيء تعلمونه في الابتداء والخبر، وحتى تزعموا مثلا أنكم لا تحتاجون في أن تعرفوا وجه الرفع في {الصابئون} من سورة المائدة [سورة المائدة: 19] إلى ما قاله العلماء فيه، وإلى استشهادهم فيه بقول الشاعر5:

ج ١ · ص ٣١

وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق1

وحتى كأن المشكل على الجميع غير مشكل عندكم، وحتى كأنكم قد أوتيتم أن تستنبطوا من المسئلة الواحدة من كل باب مسألة كلها، فتخرجوا إلى فن من التجاهل لا يبقى مع كلام.

وإما أن تعلموا أنكم قد أخطأتم حين أصغرتم أمر هذا العلم، وظننتم ما ظننتم فيه، فترجعوا إلى الحق وتسلموا الفضل لأهله، وتدعوا الذي يزري بكم، ويفتح باب العيب عليكم، ويطيل لسان القادح فيكم، وبالله التوفيق.

هذا2، ولو أن هؤلاء القوم إذ تركوا هذا الشأن تركوه جملة، وإذ زعموا أن قدر المفتقر إليه القليل منه، اقتصروا على ذلك القليل، فلم يأخذوا أنفسهم بالفتوى فيه3، والتصرف فيما لم يتعلموا منه، ولم يخوضوا في التفسير، ولم يتعاطوا التأويل، لكان البلاء واحدا، ولكانوا إذ لم يبنوا لم يهدموا، وإذ لم يصلحوا لم يكونوا سببا للفساد،4 ولكنهم لم يفعلوا، فجلبوا من الداء ما أعيى الطبيب، وحير اللبيب، وانتهى التخليط بما أتوه فيه، إلى حد يئس من تلافيه، فلم يبق للعارف الذي يكره الشغب إلا التعجب والسكوت. وما الآفة العظمى إلا واحدة، وهي أن يجيء من الإنسان ويجري لفظه5، ويمشي له أن

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م