تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

106 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٢٣٦ من ٦٧٠.

106

ج ١ · ص ٢٣٧

استأنف قوله: "انتقم الله من الكاذب"، لأنه جعل نفسه كأنه يجيب سائلا قال له: "فما تقول فيما اتهمك به من أنك كاذب؟ " فقال أقول: "انتقم الله من الكاذب".

ومن النادر أيضا في ذلك قول الآخر:

قال لي كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل1

لما كان في العادة إذا قيل للرجل: "كيف أنت؟ " فقال: "عليل"، أن يسأل ثانيا فيقال: "ما بك؟ وما علتك؟ "، قدر كأنه قد قيل له ذلك، فأتى بقوله: "سهر دائم" جوابا عن هذا السؤال المفهوم من فحوى الحال، فاعرفه:

ومن الحسن البين في ذلك قول المتنبي:

وما عقب الرياح له محلا، ... عفاه من دا بهم وساقا2

لما نفى أن يكون الذي يرى به من الدروس والعفاء من الرياح، وأن تكون التي فعلت ذلك، وكان في العادة إذا نفي الفعل الموجود الحاصل عن واحد فقيل: "لم يفعله فلان"، أن يقال: "فمن فعله؟ " قدر كأن قائلا قال: "قد زعمت أن الرياح لم تعف له محلا، فما عفاه إذن؟ "، فقال مجيبا له: "عفاه من حدا بهم وساقا".

ومثله قوله الوليد بن يزيد:

عرفت المنزل الخالي ... عفا من بعد أحوال

ج ١ · ص ٢٣٨

عفاه كل حنان ... عسوف الويل هطال1

لما قال: "عفا من بعد أحوال"، قدر كأنه قيل له: "فما عفاه؟ " فقال: "عفاه كل حنان".

واعلم أن السؤال إذا كان ظاهرا مذكورا في مثل هذا، كان الأكثر أن لا يذكر الفعل في الجواب، ويقتصر على الاسم وحده. فأما مع الإضمار فلا يجوز إلا أن يذكر الفعل

تفسير هذا: أنه يجوز لك إذا قيل: "إن كانت الرياح لم تعفه فما عفاه؟ " أن تقول: "من حدابهم وساقا" ولا تقول: "عفاه من حدا"، كما تقول في جواب من يقول: "من فعل هذا؟ ": زيد ولا يجب أن تقول: "فعله زيد".

وأما إذا لم يكن السؤال مذكورا كالذي عليه البيت، فإنه لا يجوز أن يترك ذكر الفعل. فلو قلت مثلا: "وما عفت الرياح له محلا، من حدابهم وساقا" تزعم أنك أردت "عفاه من حدابهم"، ثم ترك ذكر الفعل، أحلت2، لأنه إنما يجوز تركه حيث يكون السؤال مذكورا، لأن ذكره فيه يدل على إرادته في الجواب، فإذا لم يوت بالسؤال لم يكن إلى العلم به سبيل، فاعرف ذلك.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م