تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

92 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٢١١ من ٦٧٠.

92

ج ١ · ص ٢١٢

للمبتدأ1، وبالفعل للفاعل. ألا تراك قد أثبت الركوب في قولك: "جاءني زيد راكبا" لزيد؟ إلا أن الفرق أنك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، وهو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه، ولم تجرد إثباتك للركوب ولم تباشره به ابتداء2، بل بدأت فأثبت المجيء، ثم وصلت به الركوب، فالتبس به الإثبات على سبيل التبع لغيره، وبشرط أن يكون في صلته, وأما في الخبر المطلق نحو: "زيد منطلق" و "خرج عمرو"، فإنك أثبت المعنى إثباتا جردته له، وجعلته يباشره من غير واسطة3، ومن غير أن يتسبب بغيره إليه.

جملة الحال وامتناعها من الواو، وتفسير ذلك:

وإذ قد عرفت هذا، فاعلم أن كل جملة وقعت حالا ثم امتنعت من "الواو"، فذاك لأجل أنك عمدت إلى الفعل الواقع في صدرها فضممته إلى الفعل الأول في إثبات واحد، وكل جملة جاءت حالا، ثم اقتضت "الواو"، فذاك لأنك مستأنف بها خبرا، وغير قاصد إلى أن تضمها إلى الفعل الأول في الإثبات.

تفسير هذا: أنك إذا قلت: "جاءني زيد يسرع"، كان بمنزلة قولك: "جاءني زيد مسرعا"، في أنك تثبت مجيئا فيه إسراع، وتصل أحد المعنيين بالآخر، وتجعل الكلام خبرا واحدا، وتريد أن تقول: "جاءني كذلك، وجاءني بهذه الهيئة"، وهكذا قوله:

93

ج ١ · ص ٢١٣

وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم قديديمة الجوزاء مسموم1

كأنه قال: "وقد علوت قتود الرجل بارزا للشمس ضاحيا"، وكذلك قوله:

متى أرى الصبح قد لاحت مخايله2

لأنه في معنى: "متى أرى الصبح باديا متجليا" وعلى هذا القياس أبدا. وإذا قلت: "جاءني وغلامه يسعى بين يديه" و "رأيت زيدا وسيفه على كتفه"3، كان المعنى على أنك بدأت فأثبت المجيء والرؤية، ثم استأنفت خبرا، وابتدأت إثباتا ثانيا لسعي الغلام بين يديه، ولكون السيف على كتفه، ولما كان المعنى على استئناف الإثبات، احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى، فجيء بالواو كما جيء بها في قولك: "زيد منطلق وعمرو ذاهب" و "العلم حسن والجهل قبيح". وتسميتنا لها" واو حال"، لا يخرجها عن أن تكون مجتلبة لضم جملة إلى جملة.

ونظيرها في هذا "الفاء" في جواب الشرط نحو: "إن تأتني فأنت مكرم"، فإنها وإن لم تكن عاطفة، فإن ذلك لا يخرجها من أن تكون بمنزلة العاطفة في أنها جاءت لتربط جملة ليس من شأنها أن ترتبط بنفسها4، فاعرف ذلك ونزل الجملة في نحو: "جاءني زيد يسرع" و "قد علوت قتود

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م